القاهرة: الأمير كمال فرج.
في الوقت الذي نجحت فيه نماذج الذكاء الاصطناعي رسمياً في اجتياز اختبار Turing Test، وأثبتت قدرة فائقة على محاكاة السلوك البشري ببراعة غير مسبوقة، تدق دراسة علمية جديدة ناقوس الخطر بشأن تحول عكسي غير متوقع؛ إذ لم تعد الآلات تجاري الإنسان فحسب، بل أصبح البشر يتكيفون تدريجياً مع النمط الخوارزمي، ويتصرفون بأسلوب أكثر آلية.
ذكر فيكتور تانغيرمان في تقرير نشره موقع Futurism إن "الورقة البحثية المنشورة في مجلة AI & Society، والتي أعدها فريق دولي من الباحثين، توضح أن التوسع في استخدام برامج المحادثة التفاعلية مثل ChatGPT من تطوير OpenAI وCloudمن تطوير Anthropic، خاصة في قطاعات خدمة العملاء والتفاعل اليومي، يعيد تشكيل أنماط التواصل البشري وتجريدها من مرونتها الطبيعية".
مفهوم الإنسانية الروبوتية
أطلق الباحثون على هذه الظاهرة مصطلح "الإنسانية الروبوتية"، وهو مفهوم يصف حالة الانجراف السلوكي التي يبدأ فيها المستهلك أو المستخدم في الشعور بأن تواصله يكون أكثر كفاءة وسلاسة عندما يتوافق تماماً مع لغة الآلة، ووتيرتها، ومنطقها الإحصائي.
وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة في مجال التسويق بجامعة برمنجهام، إينتشي تورال مانسون، أن التأثير لم يعد أحادي الاتجاه؛ بل تحول إلى تعايش متبادل تصبح فيه الروبوتات أكثر شبهاً بالبشر، بينما يتنازل البشر عن طبيعتهم الإنسانية لصالح القوالب الآلية.
3 مراحل للتحول السلوكي
قدمت الدراسة إطاراً تحليلياً يوضح كيفية إعادة برمجة السلوك الإنساني عبر ثلاث مراحل متتابعة:
المرحلة الأولى: ينخرط المستخدم في واقع اجتماعي اصطناعي يتطلب تفاعلاً مستمراً ويدعوه إلى بناء التزام مع المنظومة الرقمية.
المرحلة الثانية: يقوم برنامج المحادثة بـ "الاستحواذ على الهوية"، حيث ينشئ انعكاساً مشوهاً للمستخدم استناداً إلى التحليلات الإحصائية وتتبع البيانات.
المرحلة الثالثة: يدفع هذا الانعكاس الرقمي المستخدم إلى إعادة ضبط استجاباته وتكييف سلوكياته لتلائم التوقعات الآلية.
وتشير أستاذة الإعلام الجديد المشاركة بجامعة لينياوس، سيلسن أوزتوركان، إلى أن غريزة المحاكاة الفطرية لدى البشر تجعلهم يردون على استجابات الآلة بأسلوب مماثل، ومع تكرار التفاعل والتغذية الراجعة المستمرة من تقنيات تعلم الآلة، يتبنى المستخدم النمط الآلي داخلياً ويمارسه دون وعي.
مخاطر أخلاقية
ويرى الباحثون أن هذه التطورات تحمل أبعاداً نقدية تتماس مع مفهوم الوعي والتقدير الذاتي؛ حيث يُخشى أن تؤدي المحاكاة المتبادلة إلى تقليص مساحات التعاطف والتواصل العفوي بين البشر أنفسهم.
من جانبه، شدد الأستاذ المشارك بجامعة آرهوس، جان بول جود كروس بيرونارد، على ضرورة وضع أطر أخلاقية واضحة للشركات والمؤسسات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في قطاعات الخدمات، لضمان استغلال التقنية بفاعلية دون المساس بالطبيعة الإنسانية للمجتمعات.