القاهرة: الأمير كمال فرج.
أعاد التوجيه التحريري الصادر عن دليل أسلوب النشر في وكالةAssociated Press Stylebook إشعال النقاشات المحتدمة حول طبيعة الوعي التقني وحدود التأطير اللغوي للذكاء الاصطناعي، بعد أن شدد على حظر استخدام التعبيرات التي تمنح الأنظمة الذكية صفات بشرية.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن "هذا التوجيه أثار ردود فعل غاضبة ومتباينة في أوساط المبرمجين والباحثين وشركات التقنية الكبرى، مما يعكس حساسية بالغة تجاه الطريقة التي تُقدَّر بها هذه التقنيات وتُسوَّق بها إعلامياً للجمهور".
مواقف متباينة
تمسك التوجيه الصحفي الصادر على منصة X بقاعدة صارمة تفيد بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تفكر، ولا تشعر، ولا ترغب، ولا تفهم، داعياً إلى تجنب كل ما من شأنه تشخيص الآلة أو إضفاء أبعاد عاطفية عليها. غير أن هذا الموقف قوبل برفض واسع من بعض وجوه الصناعة، حيث انتقد ألان روزينشتاين، الباحث التقني في شركة Anthropic، تصدي دليل أسلوب صحفي لإطلاق أحكام ميتافيزيقية بهذه الثقة.
وفي السياق ذاته، أشار هنري شيفلين، خبير الأخلاقيات في Google DeepMind، إلى ما وصفه بازدواجية المعايير التحريرية؛ إذ لا تجد المؤسسات غضاضة في استخدام لغة عاطفية عند مراجعة الأعمال الفنية الخيالية وتجسيد الروبوتات الوهمية، بينما تقف بحزم ضد استخدام المصطلحات الوظيفية المعبرة عن المعالجة المعرفية للكمبيوتر.
من جهته، ذهب دين بول، المسؤول في OpenAI، إلى أبعد من ذلك معتبراً أن الأنظمة الحديثة تفكر وتفهم بوضوح، وأن رفض الاعتراف بذلك يمثل حالة مرضية تتجاهل القدرة المتنامية للخوارزميات على حل المعضلات المعقدة.
شبهة التسويق التجاري
يرى مراقبون أن الجدل الدائر يتجاوز حدود القواعد التحريرية البسيطة ليلامس صراعًا أعمق حول الهيمنة الرمزية لصناعة التكنولوجيا؛ فمن جهة، تسعى شركات كبرى إلى ضخ استثمارات هائلة لترسيخ صورة ذهنية تفيد بأن منتجاتها تقترب من الوعي البشري لتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والتسويقية.
ومن جهة أخرى، يشدد علماء النفس واللسانيات والباحثون المستقلون على خطورة الانسياق خلف هذا التهويل، مؤكدين غياب أي إجماع علمي يثبت وجود تجربة واعية خلف استجابات النماذج اللغوية الكبيرة.
إن التمسك بلغة دقيقة ومحايدة تحيد الإثارة الزائفة لا يعد مجرد خيار أسلوب صحفي، بل هو ضرورة أخلاقية لتوجيه النقاش العام نحو المخاطر والتحديات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، بعيداً عن أوهام الأنسنة التي تحجب الواقع التقني الفعلي.