القاهرة: الأمير كمال فرج.
أصبحت شركات الذكاء الاصطناعي تُشكل جزءاً بالغ الأهمية من الاقتصاد لدرجة أن فشلها قد يُحدث أزمة غير مسبوقة. وفي ظل هذه الهيمنة المتزايدة، يُحذّر الخبراء من أن الإنفاق الهائل على قطاع الذكاء الاصطناعي قد يكون بمثابة فقاعة اقتصادية تُدعم الاقتصاد الأمريكي بأكمله.
هذه المخاوف تُعيد إلى الأذهان ذكريات انهيار فقاعة الدوت كوم، لكن مع فارق أن هذه الفقاعة قد تكون أضخم وأكثر خطورة، وانهيار الفقاعة هو انهيار مفاجئ وسريع في أسعار الأصول بعد أن تكون قد ارتفعت بشكل غير مبرر لفترة طويلة.
وتسببت فقاعة الدوت كوم في ارتفاع هائل لأسهم شركات الإنترنت غير المربحة في أواخر التسعينيات، اعتقادًا بمستقبلها الرقمي. لكنها انهارت بسرعة في عام 2000، مما محا تريليونات الدولارات من قيمتها وأفلس العديد من الشركات بعد أن تبين أن قيمتها لا تستند إلى أرباح حقيقية.
قال المستثمر بول كيدروسكي لصحيفة Wall Street Journal، إن الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد تجاوز بالفعل الإنفاق على البنية التحتية للاتصالات والإنترنت خلال أزمة فقاعة الدوت كوم قبل أكثر من عقدين، مما يثير شبح فقاعة هائلة.
يرى كيدروسكي أيضًا أننا لم نشعر بالتأثيرات الكاملة لتعريفات الرئيس دونالد ترامب بسبب حجم الإنفاق الحالي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والذي قد يعمل كبرنامج تحفيز للقطاع الخاص.
أرقام صادمة وتأثير هائل على الاقتصاد
شارك نيل دوتا، رئيس الأبحاث الاقتصادية في مؤسسة رينيسانس ماكرو ريسيرش، إحصائية مذهلة مع الصحيفة، مفادها أن النفقات الرأسمالية للذكاء الاصطناعي ساهمت في نمو الاقتصاد الأمريكي هذا العام أكثر من إجمالي إنفاق المستهلكين مجتمعين.
يُعد هذا الوضع حلقة مفرغة ومنطقة مجهولة قد تُفضي إلى صدمة أكبر من انهيار فقاعة الدوت كوم، بل وقد تقضي على الاقتصاد الأمريكي إذا لم تُحقق صناعة الذكاء الاصطناعي العوائد الهائلة التي وعدت بها قياداتها التنفيذية.
سباق الشركات نحو القمة
حالياً، تستفيد الشركات من موجة هائلة من الضجة حول الذكاء الاصطناعي، حيث يرفع المستثمرون المتعطشون أسعار الأسهم إلى مستويات غير مسبوقة. كما أشار الصحفي التقني برايان ميرشانت في رسالته الإخبارية Blood in the Machine، كانت شركة Apple هي الأولى التي تصل قيمتها إلى تريليون دولار في عام 2018. ومنذ ذلك الحين، انضمت تسع شركات ذكاء اصطناعي أخرى إلى هذه الفئة، حيث زادت شركة Nvidia لصناعة رقائق الذكاء الاصطناعي من قيمتها بثلاثة أضعاف لتصل إلى 4 تريليون دولار في أقل من عام واحد.
التحديات المالية والشكوك المستقبلية
من الغريب أن الشركات لم تُثبت بعد وجود عائد مجدٍ على الاستثمار بعد كل هذا الإنفاق. ففي حين أصبحت روبوتات الدردشة شائعة للغاية، إلا أنها لا تزال مكلفة جداً من حيث التدريب والتشغيل والصيانة، مما يُراكم فواتير طاقة ضخمة على شركات الذكاء الاصطناعي.
وسارت Microsoft على خطى Nvidia الأسبوع الماضي، حيث وصلت قيمتها السوقية إلى 4 تريليون دولار. وأفادت الشركة عن مبيعات مزدهرة في أعمال الحوسبة السحابية Azure، كاشفة عن إنفاق قياسي قدره 30 مليار دولار في ربع مالي واحد على الذكاء الاصطناعي، وفقاً لشبكة CNN.
هذا ممتاز لـ Microsoft ، لكنها تبيع في الأساس قوة حاسوبية لشركات أخرى تُحاول تحقيق الربح من الذكاء الاصطناعي. وإذا لم تتمكن هذه الشركات من تحقيق ذلك على نطاق واسع، وهو أمر صعب المنال في ظل اعتياد المستخدمين على العروض المجانية مثل ChatGPT من OpenAI وClaude من Anthropic، فقد ينهار هذا الهيكل بأكمله.
وفي الوقت نفسه، يتنافس قادة قطاع الذكاء الاصطناعي على تقديم عقود فلكية بمليارات الدولارات لاستقطاب المواهب من الشركات المنافسة.
غياب الرقابة والمنافسة الدولية
وكما تشير صحيفة Wall Street Journal، يبدو البيت الأبيض غير مهتم تماماً بتنظيم هذه الصناعة أو تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار. ولذلك، قد يأتي أكبر تهديد في شكل المنافسة الدولية، حيث برزت الصين، على وجه الخصوص، كمنافس جاد في سباق الذكاء الاصطناعي.
أما إلى أين سيؤدي بنا كل هذا الاستثمار، فيظل سؤالاً تريليوني الدولارات. ومع اعتماد الاقتصاد الأمريكي بأكمله على هذا الإنفاق غير المسبوق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يجدر بنا أن نفكر كيف ستبدو تداعيات انهيار فقاعة الذكاء الاصطناعي ومن سيخرج منها رابحاً ومن سيخسر.
وهل هي فقاعة حقاً، أم مجرد سوق صاعدة طويلة الأجل، كما وصفتها مؤخراً شركة Citi المالية؟
الرهانات عالية جداً، والكرة الآن في ملعب شركات الذكاء الاصطناعي التي عليها إقناع المساهمين بفوائد الابتكار، سواء على الصعيد المالي أو المجتمعي.