القاهرة: الأمير كمال فرج.
بدأ الذكاء الاصطناعي يجد طريقه إلى مجتمع يشتهر بحذره الشديد وتقييده الصارم للتكنولوجيا: طائفة الأميش، والأميش جماعة مسيحية محافظه تعيش في مجتمعات ريفية مغلقة بالولايات المتحدة وكندا، وتشتهر بتمسكها بنمط حياة بدائي وبسيط، حيث يتنقلون بالعربات الخشبية التي تجرها الخيول ويرتدون ملابس تقليدية موحدة. يخضعون التكنولوجيا لتقييم نفعي صارم؛ حيث يمنعون أي تقنية قد تفكك الروابط الأسرية أو تعزل الأفراد.
ذكرت ماجي هاريسون دوبري في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "رجال مجتمع الأميش في مقاطعة هولمز بولاية أوهايو — وهي المنطقة التي تضم أكبر تجمع للأميش في الولايات المتحدة — بدأوا في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي التوليدي كأداة مهنية جديدة لإنجاز المعاملات اليومية؛ مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني، صياغة العقود، إنشاء جداول البيانات، وإدارة شركاتهم العائلية الناشطة في مجالات التصنيع، البناء، والزراعة".
وقال إيان وينجيرد، صاحب شركة لتصنيع المعادن وأب لستة أطفال من طائفة الأميش، في حديثه لمجلة New York Magazine "بدأت في استخدامه بعد فترة وجيزة من صدوره على سبيل التجربة. ولكن كلما زاد اعتمادي عليه، تيقنت أن هذا الشيء يمكن أن يكون مفيداً بحق لإدارة أعمالنا."
وأوضح وينجيرد، الذي توظف شركته نحو 30 عاملاً، أن أعماله تشمل مشاريع حكومية وفيدرالية وأخرى خاصة، مؤكداً أنه لولا التكنولوجيا الحديثة — بما فيها روبوتات الدردشة — لخرج هو وموظفوه من سوق العمل. وأضاف بوضوح: "لو حاولنا إدارة أعمالنا اليوم باستخدام جهاز الفاكس والبريد الصوتي فقط، لاضطررت إلى إغلاق شركتي نهائياً".
🚫 قيود صارمة وحدود صحية مع الشاشات
لا يتمتع جميع أفراد الأميش بالقدرة على الوصول إلى شبكة الإنترنت، وحتى في حال توفرها، فإنها تخضع لرقابة صارمة وبأضيق الحدود. وفي هذا السياق، يرى المؤرخ ماركوس يودر أن أقل من نصف سكان مقاطعة هولمز من الأميش متصلون بالشبكة، ويقدر أن أقل من 10% من هذه النسبة قد جربوا أدوات الذكاء الاصطناعي فعلياً.
ولم يكن أي من الأشخاص الذين قابلتهم المجلة يحمل هاتفاً ذكياً؛ بل يعتمدون بالكامل على الهواتف التقليدية المعدلة Dumb Phones أو الهواتف القابلة للطي Flip Phones. كما أن حياتهم الرقمية تمر عبر برمجيات فلترة مسيحية مشددة، وتكاد تنحصر داخل أسوار العمل. للمفارقة، فإن هذا الخط الفاصل والصارم بين بيئة العمل والمنزل ساهم في خلق حدود تكنولوجية صحية يفتقدها المجتمع الحديث.
وقال جون وينجيرد (19 عاماً)، قريب إيان ويعمل في قطاع الدواجن وإدارة العقارات "لا يمكنني الاستلقاء على السرير لنصف ساعة لأطرح الأسئلة على روبوت الدردشة؛ فالتقنية ليست في متناول يدي خلال أوقات فراغي أو لحظات ضعفي. عندما أعود إلى منزلي، أكون مشغولاً بركوب الخيل أو إطعام الدجاج."
🐴 نفعية مطلقة: توازن بين الابتكار والتقاليد
يتماشى هذا التبني المقنن والبراغماتي لروبوتات الدردشة مع النهج التاريخي لهذا المجتمع الديني تجاه التكنولوجيا الناشئة؛ وهو نهج يقوم على النفعية المطلقة وتطويع الآلة لخدمة الإنتاج دون مساس بالهوية. ورغم أن معظم مستخدمي الذكاء الاصطناعي حول العالم اليوم لا يملكون رفاهية ركوب الخيل عقب ساعات الدوام لتقليص وقت الجلوس أمام الشاشات، إلا أن تجربة الأميش تقدم درساً بليغاً في أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل مجرد أداة للإنتاج وليس رفيقاً دائماً للحياة.
وفي الختام، يعلق دانيال وينجيرد، وهو صاحب عمل وقس في الطائفة، قائلاً: "لا أريد أن نُظهَر وكأننا نلهث وراء التقنيات الجديدة دون احترام لتقاليدنا وقيمنا الراسخة. نحن لا نفتح الباب على مصراعيه لكل وافد رقمي". ورغم هذا التحفظ الصارم، كشف التقرير طريفة في النهاية؛ إذ تبين أن القس دانيال استعان ببرنامج ChatGPT لصياغة رسالة رومانسية لزوجته في عيد الحب!