القاهرة: الأمير كمال فرج.
تواجه الطبقة العاملة في الولايات المتحدة واحدة من أعقد الأزمات الهيكلية في التاريخ الحديث، مع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين الإنتاجية إلى آلية مباشرة لإعادة هندسة القوى العاملة والاستغناء عن البشر.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشره موقع Futurism إن "دراسة استطلاعية حديثة أجرتها مؤسسة Mercer للاستشارات، وشملت نحو 1000 من كبار المسؤولين التنفيذيين في الولايات المتحدة، كشفت عن مؤشرات غير مسبوقة".
أقر 98% من العينة بوجود خطط جارية لإعادة هيكلة شركاتهم تنظيماً حول تقنيات الذكاء الاصطناعي. والأخطر من ذلك، أن 99% من هؤلاء القادة يتوقعون بثقة تامة أن تسفر هذه التحولات عن موجات تسريح واسعة النطاق للموظفين خلال العامين المقبلين.
انهيار الرفاهية الوظيفية
وأظهر التقرير أن مجرد الحديث عن هيمنة الآلة داخل أروقة المكاتب وغرف الاستراحة أحدث شرخاً عميقاً في الصحة النفسية والرفاهية الوظيفية للموظفين. فبعد أن كانت نسبة الموظفين الذين يشعرون بالازدهار المهني تصل إلى 66% في عام 2024، تهاوت هذه النسبة بشكل حاد لتصل إلى 44% فقط بحلول عام 2026، مما يعكس انهياراً كبيراً في مستويات الأمان الوظيفي والرضا العام.
وفي سياق متصل، برزت ظاهرة البقاء الاضطراري في سوق العمل؛ حيث أقر أكثر من 20% من العمال المستطلعة آراؤهم بأنهم غير راضين عن وظائفهم الحالية، لكنهم يجدون أنفسهم مجبرين على الاستمرار فيها لعدم وجود خيارات أو بدائل مهنية متاحة في الوقت الراهن.
المراقبة الرقمية
وبدلاً من معالجة هذا الإنهاك المهني المتزايد الناجم عن ركود الأجور وتدهور بيئة العمل، تشير المعطيات إلى توجه إداري صارم نحو رقمنة الرقابة وتكثيفها. إذ يرى 49% من مديري الموارد البشرية أن دمج انطباعات العاملين مع بياناتهم السلوكية يمثل أمراً حاسماً لإدارة العمل في المرحلة المقبلة.
علاوة على ذلك، يتوقع 44% من مسؤولي التوظيف الاعتماد الكامل على منصات المراقبة المستمرة لتعقب الأنشطة، في حين يخطط 43% منهم لتفويض المهام التفاعلية لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للتحكم في مسارات الإنتاج وتوجيه القوى العاملة.
أبعاد اقتصادية ونقابية
يرى منظّرون اقتصاديون أن الترويج الراهن لقدرات الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بالضرورة بكفاءته التقنية المطلقة، بل يتم توظيفه كأداة ضغط استراتيجية من قبل رأس المال لتقويض القوة التفاوضية للعمال، وتجريدهم من مكتسبات تاريخية انتزعتها النقابات عبر عقود من النضال، مثل الرعاية الصحية المضمونة والمعاشات التقاعدية.
وتتجلى قسوة هذا التحول في لجوء شركات كبرى، مثل Shopify، إلى استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لانتزاع قيم إنتاجية أعلى من الموظفين بجهد مضاعف، وصولاً إلى اعتماد بعض المؤسسات على الأنظمة الذكية لاتخاذ القرارات الحاسمة المتعلقة بإنهاء خدمات الموظفين واختيار الأسماء المستهدفة بالفصل، مما يضع الطبقة العاملة أمام تحدٍ مصيري لمواجهة هذا الواقع الجديد.