القاهرة: الأمير كمال فرج.
هل تود تسوية الأمر اليوم عبر البطاقة الائتمانية أم بالتحويل المصرفي؟" .. سؤال بات يتردد على مسامع الملايين، لكن السائل هذه المرة ليس موظفًا في بنك، بل روبوت ذكي لا يعرف الكلل ولا يقبل الاستعطاف.
ذكر جو ويلكنز في تقرير نشره موقع Futurism إن "في ظل تضخم مالي جامح يلقي بظلاله على اقتصاد متباطئ يتسم بتراجع ملحوظ في معدلات التوظيف، سجل حجم الديون الشخصية في الولايات المتحدة مستويات قياسية غير مسبوقة. ويمثل هذا المنعطف مؤشرًا قاتمًا لأي دولة، فما بالك ببلد يتربع على قمة الثراء التقني في العالم؛ حيث تسبب هذا الضغط الاقتصادي في قفزة حادة لحالات التعثر الائتماني وتأخر السداد".
ومع تزايد الضغوط على المؤسسات المقرضة لاسترداد أموالها، بدأت ملامح قطاع التحصيل تتغير جذريًا؛ إذ لم يعد العنصر البشري هو من يقود الملاحقات المالية، بل أصبحت وكالات الذكاء الاصطناعي المستقلة هي رأس الحربة في هذه المواجهة.
"إيف" تطارد الموتى والديون
كشف تقرير حديث نشرته مجلة Wired عن تنامي الاعتماد على الوكلاء الافتراضيين لملاحقة المتعثرين في سداد الديون، مسلطًا الضوء على ثغرات تقنية تسببت في ممارسات مزعجة. ونقل التقرير تجربة مواطن من مدينة سياتل يدعى بن، وجد نفسه مستهدفًا بمكالمات آلية خاطئة تطالبه بسداد ديون قديمة تم إغلاق ملفاتها وتسويتها قانونيًا منذ فترة طويلة.
تلقى بن مكالمة هاتفية بشأن نزاع مالي قديم بقيمة 266 دولارًا مع مالك عقار سابق، ليفاجأ بالصوت الروبوتي "إيف" — وهي وكيلة صوتية اصطناعية تابعة لشركة provokante — تبادره بالسؤال المستفز: "هل تود تسوية الأمر اليوم عبر البطاقة الائتمانية أم بالتحويل المصرفي؟".
ثغرات خوارزمية
ولعِلم بن المسبق بأن ذمته المالية بريئة تمامًا، حاول الاستفسار وتوضيح الأمر، إلا أن النظام الآلي رفض بشكل قاطع تحويله إلى أي موظف بشري. هذا الإصرار دفع بن إلى تغيير استراتيجيته واختبار حدود قدرات الروبوت؛ حيث بدأ في مراوغته مستخدمًا أسلوب محاكاة الأدوار الساخرة والغريبة لإرباك الخوارزمية والالتفاف على برمجتها الصارمة.
وبعد دقائق قليلة من هذه المحادثة العبثية التي عجز الذكاء الاصطناعي عن تصنيفها، اضطر النظام فجأة وبدون مقدمات إلى تحويل المكالمة إلى موظف حقيقي، والذي راجع السجلات وبادر على الفور بتأكيد أن الدين قد سُدِّد وأُغلق بالفعل.
المكالمات الآلية تغزو الأسواق
الواقع أن هذه الحادثة ليست معزولة، بل تمثل نموذجًا لقطاع ناشئ ينمو بسرعة هائلة. وفي هذا السياق، أكد بيدرو فرنانديز، المؤسس المشارك لشركة Altor المتخصصة في مراكز الاتصال المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أن وكالات تحصيل الديون تعد اليوم من أبرز الجهات وأسرعها تبنيًا لهذه التقنيات. وكشف فرنانديز أن شركته وحدها باتت تُجري أكثر من 2.5 مليون مكالمة تحصيل ديون شهريًا باستخدام الوكلاء الآليين.
فوضى البيانات
هذا الاندفاع نحو الأتمتة يفسر تزايد الأخطاء؛ إذ يعتمد قطاع تحصيل الديون على شبكات بيانات بالغة التعقيد، تتدفق عبر جداول رقمية تُباع وتُتداول مرارًا وتكرارًا من الدائنين الأصليين إلى مشترين ثانوين، وهو نظام يتسم بالعشوائية والارتباك حتى في أفضل حالاته الإدارية.
ورغم كل العيوب البشرية، يبقى الإنسان أكثر عقلانية وقدرة على استيعاب المرونة وفهم التناقضات بمجرد ظهور أي تضارب في السجلات.
ورغم أن وظيفة "محصل الديون" لا تحظى بشعبية تذكر سواء كان القائم بها بشرًا أم آلة، فإن مواجهة خصم من لحم ودم تمنح المدين على الأقل فرصة للمحاجة والنقاش، وهي ميزة تفتقر إليها الروبوتات المصممة للضغط دون استماع.