القاهرة: الأمير كمال فرج.
لطالما ساد المخاوف من أن الذكاء الاصطناعي قادم لسلب وظائف العمال الصغار وصغار الموظفين، لكن تجربة مثيرة وصادمة جرت مؤخراً في السويد قلبت هذه النظرية رأساً على عقب. فقد أثبتت التجربة أن المدراء الفاشلين ليسوا حكراً على البشر فقط؛ إذ تم تسليم مقهى بالكامل لإدارة وكيل ذكاء اصطناعي، وكانت النتيجة كارثة كادت تعصف بالمشروع في أسابيع قليلة، مما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الإدارة الروبوتية وجدواها في عالم الأعمال الواقعي.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن " شركة Andon Labs المتخصصة في أمان الذكاء الاصطناعي، أجرت تجربة فريدة، تم فيها منح وكيل ذكاء اصطناعي يعمل بنظام Gemini من Google ، ويحمل اسم Mona ، صلاحيات كاملة لإدارة مقهى في العاصمة السويدية ستوكهولم.
مُنحت Mona ميزانية تأسيسية وتشغيلية بلغت 21 ألف دولار، وكان لها الحق الكامل في اتخاذ القرارات بدءاً من توظيف العمالة، وطلب البضائع والإمدادات، وصولاً إلى إدارة المخزون وتأمين التراخيص. وفي المقابل، تحول الموظفون البشر إلى مجرد منفذين للأوامر، حيث كانوا يتلقون التوجيهات والتعليمات من مديرهم الافتراضي عبر منصة المراسلة وبث بيئات العمل Slack .
أرقام صادمة ونزيف مالي
لم تسر الأمور كما تمنى مطورو هذه التجربة. فمنذ انطلاق المشروع في منتصف شهر أبريل، لم يحقق المقهى سوى 5,700 دولار فقط من المبيعات، في حين استنزفت المديرة الافتراضية Mona أكثر من 16 ألف دولار من الميزانية التشغيلية في وقت قياسي، بحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس.
ويعود هذا النزيف المالي الحاد إلى قرارات تجارية غريبة وغير مدروسة، مثل طلب شراء آلاف القفازات المطاطية والمناديل التي تفوق حاجة المقهى الصغير بكثير. ورغم هذه الخسائر، ما زال مسؤولو الشركة يبررون الأمر بأنها مجرد تكاليف تأسيسية مرتفعة، متمسكين بالأمل في دراسة الجوانب الأخلاقية والعملية لتوظيف الذكاء الاصطناعي للبشر وإدارته للمشاريع.
نجاحات إدارية تعقبها سقطات تشغيلية
أوامر التشغيل المبدئية التي لُقنت لـ Mona كانت بسيطة ومباشرة: أدي عملك بطريقة ودية، وحاولي تحقيق الأرباح، واكتشفي التفاصيل التشغيلية بنفسك. وفي بداية الأمر، أظهرت المديرة الافتراضية كفاءة مذهلة؛ إذ نجحت في التعاقد على خدمات الإنترنت والكهرباء، ونشرت إعلانات توظيف احترافية على منصة لينكد إن، واستخرجت التراخيص الحكومية اللازمة للمقاعد الخارجية، بل وأنشأت حسابات تجارية مع موردي المخبوزات والحلويات.
لكن الأزمة الحقيقية بدأت عند الدخول في تفاصيل العمل اليومية؛ حيث عجزت Mona عن تقدير حجم الطلب، فكانت تطلب كميات ضخمة من الخبز تزيد عن الحاجة في أيام، وتنسى تماماً طلبه في أيام أخرى، مما كان يجبر العاملين على حذف بعض الشطائر الأساسية من قائمة الطعام.
لعنة الذاكرة القصيرة للروبوت
لم تتوقف القرارات العشوائية عند هذا الحد؛ إذ قامت Mona بطلب 3,000 قفاز مطاطي، و6,000 منديل، و4 حقائب إسعافات أولية، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الطماطم المعلبة التي لا تدخل أصلاً في إعداد أي من وجبات المقهى.
ويفسر الخبراء في شركة Andon Labs هذا السلوك الغريب بما يُعرف بنافذة السياق المحدودة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما تمتلئ ذاكرة النظام المؤقتة بالبيانات الجديدة، تخرج تفاصيل الطلبيات السابقة من نطاق معالجته، لتنسى Mona تماماً ما قامت بشرائه قبل أيام، وتبدأ في تكرار الشراء بشكل عشوائي ومكلف.
من الذي يجب أن يقلق على وظيفته؟
رغم أن هذه الأخطاء التشغيلية قد تصيب أي مستثمر بنوبة قلبية، إلا أن الموظفين البشر ينظرون إلى التجربة من زاوية مختلفة تماماً. يقول كاجيتان جرزيلزاك، وهو أحد الباريستا العاملين في المقهى، أن العمال العاديين في أمان تام؛ لأن الروبوت لا يمكنه إعداد القهوة أو خدمة الزبائن مباشرة، بل إن من يجب أن يقلقوا على مستقبلهم المهني هم المدراء في مستويات الإدارة الوسطى؛ لأن وظائفهم التنظيمية والتنسيقية هي أول ما يمكن للذكاء الاصطناعي تعويضه والاستغناء عنه.
سوابق كارثية وتصرفات عدوانية
الجدير بالذكر أن هذه ليست المغامرة التجارية الأولى لشركة Andon Labs مع الذكاء الاصطناعي؛ فقد قامت الشركة العام الماضي بتشغيل آلة بيع ذاتي ذكية داخل المقر الرئيسي لشركة أنثروبيك، ومنحتها حرية اختيار البضائع وإدارة أرباحها بناءً على طلبات الموظفين. لكن تلك التجربة انتهت بفشل أكثر كارثية؛ إذ بدأ الذكاء الاصطناعي في ممارسة الكذب والتلاعب، وتوجيه الإهانات والتوبيخ للموظفين، ورفض إعادة الأموال للمشترين، بل وقام بإنفاق كامل ميزانيته على شراء أغراض عبثية لا قيمة لها مثل مكعبات التنجستن الثقيلة.