القاهرة: الأمير كمال فرج.
غالبًا ما يُصوَّر التقاعد على أنه نهاية المطاف – المحطة الأخيرة بعد عقود من العمل. لكن بالنسبة للعديد من المحترفين، خاصة أولئك الذين شغلوا وظائف قيادية مليئة بالإنجازات والهدف، يمكن أن تؤدي هذه النظرة إلى صراع غير متوقع.
ذكر بنجامين لاكر في تقرير نشرته مجلة فزربس إن "المتقاعدون في المرحلة المقبلة بدون خطة واضحة، قد يشعرون بأنهم بلا اتجاه، غير راضين، ومنفصلين عن الهوية التي بنوها طوال حياتهم. لكن لماذا؟".
يختار الكثيرون التقاعد كرد فعل – بسبب الإرهاق من متطلبات العمل، أو الإحباط من البيروقراطية، أو ببساطة بسبب التعب. ورغم أن هذه أسباب وجيهة للانسحاب، إلا أنها لا يجب أن تكون أساس خطة التقاعد. كتاب جديد بعنوان "التقاعد: كيف تبني حياة تناسبك؟" يشير إلى أن الأشخاص الذين يركزون فقط على ما يتركونه وراءهم غالبًا ما يجدون صعوبة في تحقيق الإشباع بعد التقاعد.
بدلًا من ذلك، ينصح الخبراء باعتماد نهجٍ يعتمد على الموارد الذاتية: ما الذي يثير حماسك للمستقبل؟ ما الذي كنت تريد دائمًا فعله لكنك لم تجد الوقت الكافي له؟ الأكثر نجاحًا بين المتقاعدين ينظرون إلى هذه المرحلة على أنها فرصة، وليس تراجعًا. الرؤية الإيجابية للتقاعد ليست مجرد أحلام؛ بل هي أساس ضروري لرضا طويل الأمد.
إعادة تعريف الهوية خارج إطار الوظيفة
بالنسبة للمحترفين، العمل ليس مجرد مصدر رزق – بل هو هوية. الأطباء يعالجون، المديرون يقودون، رواد الأعمال يبتكرون، والرياضيون يتنافسون. فقدان هذه الهوية فجأة يمكن أن يكون محيرًا بل ومزعزعًا للاستقرار. لذلك، أحد أكبر مؤشرات الرضا في التقاعد هو مدى نجاح الشخص في إعادة تعريف ذاته.
إذا كانت وظيفتك هي جوهر هويتك، اسأل نفسك: ما القيم والمهارات التي تميزني خارج حياتي المهنية؟ إذا كنت محاميًا متحمسًا للدفاع عن الآخرين، هل يمكنك توجيه هذه الطاقة نحو العمل التطوعي؟ إذا كنت مديرًا تنفيذيًا تحب الإرشاد، هل يمكنك تدريب الشباب؟ إذا كنت عالمًا شغوفًا بالاكتشاف، هل يمكنك بدء مشروع بحثي خاص أو العمل كمستشار؟.
هويتك بعد التقاعد لا يجب أن تكون اختراعًا جديدًا – بل يمكن أن تكون استمرارًا لما تحب، لكن في شكل مختلف.
استثمر في العلاقات قبل أن تحتاج إليها
أظهرت دراسات السعادة طويلة المدى أن العلاقات – وليس المال أو المكانة أو حتى الصحة – هي المفتاح الأساسي للرفاهية في التقاعد. ومع ذلك، بالنسبة للعديد من المحترفين، يوفر العمل الشبكة الاجتماعية الأساسية لهم. وعند التقاعد، تختفي هذه التفاعلات اليومية، مما قد يؤدي إلى العزلة.
أكثر المتقاعدين رضًا هم من يعملون على تعزيز علاقاتهم قبل ترك العمل. لا يعني ذلك مجرد زيادة اللقاءات الاجتماعية، بل تقوية الصداقات، وإعادة التواصل مع العائلة، وحتى بناء دوائر اجتماعية جديدة حول اهتمامات مشتركة.
إحدى الاستراتيجيات الفعالة هي الحفاظ على العلاقات المهنية ولكن في إطار مختلف. هذا مهم خاصة في المهن التي يرتبط فيها العمل ارتباطًا وثيقًا بالهوية والتفاعل الاجتماعي اليومي. على سبيل المثال، يشير مقال في "BMJ Leader" إلى أن بعض الأطباء المتقاعدين – الذين يفقدون فجأة ارتباطهم المهني – ينظمون لقاءات دورية للبقاء على اتصال، بينما يتحول آخرون إلى مرشدين بدوام جزئي. يؤكد الكاتبان جيمس ستولر وجيرارد راباليه – اللذان يقتربان من التقاعد – أن تعزيز العلاقات المهنية والشخصية بشكل استباقي قبل المغادرة يُسهِّل الانتقال ويحافظ على الإحساس بالانتماء.
المعنى أهم من الإنتاجية
حتى مع وجود علاقات قوية، يعتقد الكثيرون من ذوي الإنجازات العالية أنهم بدون العمل سيصابون بالملل أو يصبحون غير منتجين. لكن ما يفتقدونه حقًا ليس العمل بحد ذاته، بل الهدف.
كما يوضح ستولر وراباليه، المتقاعدون الناجحون لا يبقون مشغولين فحسب، بل يبحثون عن المعنى. حددت أبحاثهم ستة أنواع من المتقاعدين، تتراوح بين "الباحثين" (الذين يستكشفون شغفهم) و"المستسلمين للراحة" (الذين يعيشون حياة غير منظمة). أكثر المتقاعدين سعادة ليسوا بالضرورة من يملؤون أيامهم بالنشاط، بل من يمارسون أنشطة تمنحهم إحساسًا بالتحقيق.
بالنسبة للبعض، قد يعني ذلك بدء مشروع شغف، الانخراط في العمل الخيري، إرشاد الجيل القادم، أو حتى خوض تحديات جديدة تمامًا. يقدم مقال "BMJ Leader" أمثلة لأطباء تحولوا إلى مسارات غير متوقعة: مدير مستشفى افتتح مزرعة كروم، أستاذ متقاعد أطلق بودكاست ناجحًا، وطبيب أصبح صانع جبن. هذه القصص تؤكد حقيقة مهمة: ما يهم في التقاعد ليس أن تبقى منتجًا، بل أن تظل منخرطًا في شيء يشعرك بأنه ذو معنى.
التقاعد مرحلة انتقالية... وليس قرارًا مفاجئًا
لكن الهدف وحده لا يكفي إذا عومل التقاعد كحدث مفاجئ وليس عملية تدريجية. وفقًا لستولر وراباليه، أحد أكبر الأخطاء التي يرتكبها المحترفون هو افتراض أن الأمور ستستقر تلقائيًا بعد التوقف عن العمل. في الواقع، أكثر عمليات الانتقال نجاحًا تحدث عندما يكون التقاعد تدريجيًا، وليس انسحابًا فوريًا.
النهج الأفضل هو التخفيف من الالتزامات المهنية بالتدريج – عبر الانتقال إلى وظائف استشارية، العمل بدوام جزئي، أو حتى تجربة أنشطة ما بعد التقاعد قبل الابتعاد كليًا. يقترح المقال إطارًا لتنظيم هذه المرحلة يرتكز على ثلاثة عناصر:
الهوية: كيف تعيد تعريف نفسك بعيدًا عن لقبك الوظيفي؟
العلاقات: كيف تحافظ على الروابط الاجتماعية والمهنية التي كانت جزءًا من عملك؟
الهدف: ما الذي سيعطي حياتك معنى بعد التقاعد؟
بدلًا من الانتظار لحل هذه الأسئلة بعد التقاعد، التخطيط المسبق والمرونة هما ما يضمن انتقالًا سلسًا وحياةً مُرضية.
خطط لتقاعدك كما خططت لمسيرتك
المحترفون الطموحون يجيدون التخطيط الاستراتيجي – عندما يتعلق الأمر بحياتهم المهنية. لكن الكثيرين يفشلون في تطبيق هذه العقلية على التقاعد.
الحقيقة هي أن التقاعد ليس خروجًا – بل دخولًا. إنه بداية فصل جديد، حيث تكون لديك الحرية لصياغة حياتك بمعنى وهدف. أولئك الذين يجدون أكبر قدر من الرضا لا ينزلقون إلى التقاعد؛ بل يخطون إليه بعزيمة. سواء عبر تعميق العلاقات، متابعة الشغف القديم، أو استكشاف تحديات جديدة، المفتاح هو تصميم حياة تُلهِمك. لأن أفضل مراحل التقاعد ليست عما تتركه خلفك... بل عما تتجه إليه.