في بقعة هادئة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، تتراءى "مدينة سنبل" كشاهد إثبات على حلم رجل لم يقتنع يوماً بأن الفن مجرد "لقمة عيش" أو وسيلة عابرة للتسلية. هناك، في مملكته الخاصة، يتحرك الفنان القدير محمد صبحي بهيبة القائد ودقة المهندس، ليدير منظومة فنية اختصرت عقوداً من تاريخ المسرح المصري في مدرسة واحدة، رفعت شعاراً ثلاثي الأبعاد: "الانضباط، القيمة، والاستمرارية".
مدرسة "استوديو الممثل": مصنع النجوم وبناء الأجيال
لم يكن محمد صبحي يوماً "أنانياً" في نجوميته؛ فمنذ خطواته الأولى أدرك أن المسرح "فعل جماعي" بامتياز. ومن هذا المنطلق، أسس مشروعه الرائد "استوديو الممثل"، ليتحول من ممثل موهوب إلى "صانع أجيال".
عبر هذه المدرسة، ضخ صبحي في شريان الساحة الفنية أسماءً صارت لاحقاً أعمدة راسخة في عالم الدراما والسينما، أمثال: منى زكي، هاني رمزي، فتحي عبد الوهاب، ومصطفى شعبان. وهو في ذلك لا يعترف بالموهبة الفطرية كمعطى نهائي، بل يفرضه عبر تدريبات شاقة تشمل فنون الإلقاء، والحركة المسرحية، وصولاً إلى الثقافة العامة؛ إيماناً منه بأن الممثل هو "سفير وعي" قبل أن يكون مجرد مؤدٍ خلف الأضواء.
فلسفة "الكوميديا السوداء": حين يضحك الألم
بالتعاون مع رفيق دربه الكاتب الراحل لينين الرملي، أحدث صبحي ثورة في مفهوم الكوميديا المسرحية، منتقلًا بالضحكة من "الإفيه" العابر إلى "النقد" اللاذع. ومن خلال روائع مثل "أنت حر"، "الهمجي"، و"تخاريف"، قدم صبحي تشريحاً فلسفياً عميقاً للنفس البشرية وتحولاتها المجتمعية.
وفي مسرحية "وجهة نظر"، تجلت عبقريته حين كسر "التابوهات" وقدم مأساة المكفوفين في إطار كوميدي أبكى الجمهور بقدر ما أضحكهم، محققاً سبقاً إنسانياً وفنياً لم يجرؤ الكثيرون على الاقتراب منه.
مدينة سنبل: الحلم المؤسسي المستدام
تعد "مدينة سنبل" للفنون والزهور ذروة جهود صبحي في تطوير البنية التحتية للمسرح العربي؛ فهي ليست مجرد خشبة عرض، بل مجمع ثقافي متكامل يضم: أكاديمية تدريبية: متخصصة في تعليم فنون الباليه والموسيقى والتمثيل، متحف التراث الفني: الذي يوثق ملابس ومقتنيات أشهر الشخصيات المسرحية، حمايةً لذاكرة الفن من الضياع. التكنولوجيا المسرحية: حيث زود مسرحه بأحدث أنظمة الصوت والإضاءة العالمية، لينافس بجودة عرضه البصري كبرى المسارح الدولية.
"ديكتاتورية" الانضباط.. سر البقاء
يُلقب صبحي في الأوساط الفنية بـ "الديكتاتور"، وهو لقب يقبله بصدر رحب ما دام الثمن هو "احترام المشاهد". فقد أعاد للمسرح تقاليداً صارمة غابت لسنوات، منها "قدسية الموعد" حيث يبدأ العرض في دقيقته وتغلق الأبواب بصرامة، و"مكافحة الارتجال" الذي قد يتدنى بالذوق العام. كما أطلق مبادرة "مسرح للجميع" التي مكنت مختلف فئات المجتمع من الاستمتاع بعروض عالمية المستوى بأسعار تذاكر رمزية.
ونيس.. الأب الروحي والدستور الأخلاقي
لا يمكن قراءة مسيرة صبحي دون التوقف عند ملحمة "يوميات ونيس"؛ هذا العمل الذي تجاوز حدود الشاشة ليصبح "دستوراً أخلاقياً" تربت عليه أجيال. لقد نجح صبحي في تحويل "القيم" إلى مادة درامية مشوقة، وجعل من شخصية "ونيس" رمزاً للأب الذي يصارع للحفاظ على المبادئ في زمن الماديات المتسارعة.
هكذا يظل محمد صبحي حالة استثنائية في تاريخ الإبداع العربي؛ فهو ليس مجرد فنان مر فوق خشبة المسرح، بل هو مؤسسة ثقافية تمشي على قدمين. استطاع بصلابة موقفه وانضباط رؤيته أن يحمي المسرح من الانهيار في وجه موجات المقاولات الفنية الهابطة، ليظل شامخاً بإرثه الذي لا يشيخ. صبحي هو المشخصاتي الذي لم ينسَ يوماً أنه معلم في مدرسة الحياة، تضرب جذوره في أصالة التراث المصري، وتمتد أغصانه لتعانق سماء الإبداع المتجدد، تاركاً خلفه أجيالاً تدرك أن الفن الحقيقي هو الذي يبني الإنسان قبل أن يبهج العين.
تاريخ الإضافة: 2025-12-17تعليق: 0عدد المشاهدات :220