الأمير كمال فرج.
تجمع الدكتورة سميرة الغالي الحاج بين الرؤية الأكاديمية الرصينة كمتخصصة في مناهج اللغة العربية، وبين الإحساس المرهف كشاعرة ومثقفة مهمومة بقضايا الهوية. هي ابنة بيئة سودانية ثرية، نالت الدكتوراة من جامعة أفريقيا العالمية، وتدرجت في المناصب الأكاديمية بين جامعات السودان والسعودية والإمارات.
أصدرت ستة كتب في مجال اللغة العربية والتربية، ونشرت عددًا من الأبحاث التربوية واللغوية في مجلات محكمة.
هي أيضًا مدربة للتنمية البشرية تحمل هَمَّ الحرف والتربية في آن واحد. في هذا الحوار نفتح معها أوراق اللغة، والأدب، والتعليم، وقضايا المرأة المبدعة.
واقع اللغة
ـ في ظل طغيان اللهجات الأجنبية في المجتمع العربي، كيف ترين واقع اللغة الآن، وكيف السبيل إلى إعادتها إلى مكانتها الأولى؟.
أرى ومن خلال تجربتي بالتدريس والإعلام أن اللغة العربية الآن في خطر؛ وذلك بسبب طغيان اللغات واللهجات الأجنبية في وسائل الإعلام وفي الحياة العامة، بل حتى في الكثير من المدارس في بعض المجتمعات العربية أصبحت اللغات الأجنبية هي لغة التخاطب بين التلاميذ مع أقرانهم في المدرسة، بل مع إخوتهم وأهلهم بالمنزل، ناهيك عن الأماكن العامة، وذلك إما بسبب ذكاء المعلم للغة الأجنبية وغباء المتلقي العربي، أو بسبب سياساتنا التعليمية، أو بسبب إهمالنا نحن كأولياء أمور، أو لوسائل التواصل الاجتماعي التي امتلأت بالأخطاء في اللغة العربية وحلت محلها اللهجات العربية.
الحل يكمن في ضرورة الاهتمام بالنشء وأن يكون للأسرة الدور الأكبر في حث الأطفال على تعلُّم اللغة العربية وإجادتها، وكذلك إعداد معلمي اللغة العربية وتدريبهم، إضافة لمساهمات وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، فالدول العربية تبذل غاية جهدها في وضع سياسات تربوية تساهم في تدريس اللغة العربية، مع توفير المعينات اللازمة وتصميم المناهج المناسبة.
وظبفة الشعر
ـ من وجهة نظرك كأكاديمية وشاعرة، ما هو رأيك في الشعر الآن، وهل تغيرت وظيفته؟.
الشعر الآن تغيّرت وظائفه وموضوعاته بتغير العصر، وبالرغم من كثرة الشعراء والمشاركات في المسابقات الشعرية التي أنعشت الساحة الأدبية، إلا أنها أحياناً تضعف الشعور الداخلي للقصيدة، فأصبحت أغلب القصائد عبارة عن نظم تفتقر للروح، تشعر كأنها تحفة جميلة من غير لون، أو زهرة بلا عطر، وذلك بالرغم من توفر الموهبة والذخيرة اللغوية للشعراء.
ـ مع التطور التقني المتتابع، كيف تستفيد الثقافة عامة والشعر تحديداً من التحول الرقمي؟.
استفادت الثقافة كثيراً من هذا التحول الرقمي، فعن طريق كبسة زر واحدة ننتقل من عصر إلى عصر مستمتعين بالدرر الشعرية بوجيز الوقت، فلولا هذه التقنية لاستغرقنا وقتاً طويلاً في البحث والتقليب في بطون الكتب والمخطوطات، كما ساهمت المواقع الإلكترونية في نشر الإبداع، ووفرت عناء السفر والبحث عن الكتب.
المبدع الصغير
ـ لك مؤلفات تربوية عديدة، فما هي الوصفة المناسبة لاكتشاف المبدعين الصغار؟.
وصفتي لاكتشاف المبدعين الصغار تتلخص في: "علّم، شجّع، ساعد"، فتعليم الصغار ومساعدتهم على التعبير عن مشاعرهم واكتشاف ذكاءاتهم المختلفة سواء كان ذكاءً لغوياً أو رياضياً أو حسياً أو حركياً أو اجتماعياً، وذلك من خلال إشراكهم في النشاطات الصفيّة واللا صفيّة، مع تشجيعهم ومساعدتهم ودعم مبادراتهم، ففي كثير من الأحيان يتم اكتشاف الموهبة بالصدفة، وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة لتنمية هذه المواهب.
ـ ماذا يمكن أن يقدم النقد الأكاديمي في هذا الصدد؟ وهل يختلف عن البحوث الجامعية؟.
النقد الأكاديمي يخصص للنصوص ويتناولها من جوانبها الإبداعية كافة بسعة أكبر، أما البحوث الجامعية فتلتزم بمعايير محددة قد لا تسمح للناقد بكامل الحرية في تناول النص، لذا أرى أن النقد الأكاديمي المنشور يتفوق على النقد المطروح في الرسائل الجامعية؛ لأنه يتيح سبر أغوار النص وتفتيته بشكل أعمق.
ـ يفضل البعض تسمية الأدب النسائي أو النسوي، هل تتفقين مع هذه المقولات وهل هناك أدب خاص بالمرأة؟ لا أتفق
مع هذه المقولة بتاتاً، فالموهبة والإبداع لا يفرقان بين امرأة ورجل، وهذا التقسيم "الجندري" كما يُقال، يراد به عزل المرأة عن الإبداع، ولكن قد نجد للمرأة إحساساً واهتماماً بالتفاصيل الدقيقة يظهر جلياً في تناولها لبعض الموضوعات الأسرية والاجتماعية، ولها لغة خاصة في بعض موضوعات الدواخل، ولكن فلندعه إبداعاً وكفى دون تسميات تُضعفه.
ثقافة سودانية
ـ للبيئة دور في تكوين المبدع، فما هي سمات الثقافة السودانية ودورها في رؤيتك الإبداعية؟.
تعتبر بيئتي مهيئة جداً فوالدي البروفيسور الغالي الحاج يرحمه الله كان شاعراً وتربوياً، ووالدتي الأستاذة فاطمة سالم من أسرة مثقفة، إضافة لبيئة زوجي الأستاذ أسامة أحمد الطيب وهو كاتب ومترجم، فالثقافة السودانية ثرية جداً بتنوع بيئاتها وموروثاتها من حكايات وقصص وأشعار وأحاجي، كل ذلك يساهم في تكوين الرؤية الثقافية للمبدع.
ـ ما هو موقفك من التيارات الشعرية المختلفة والصراع بين القديم والجديد؟.
أنا أميل إلى الشعر الحديث (شعر التفعيلة والشعر المرسل)، ولي موقف صارم ضد قصيدة النثر، فالشعر عندي موسيقى ووزن، وإذا فقدهما أصبح نثراً، أما الشعر العمودي فهو الأساس وهو الذي يثبت تمكن الشاعر من أدواته اللغوية، وقد كتبت فيه الكثير من القصائد.
ـ ما هو الدور الذي يمكن لعبه لنشر اللغة العربية لدى غير الناطقين بها؟.
نشر اللغة العربية لدى غير الناطقين بها يؤدي دوراً كبيراً إذا تولاه المختصون، فللأسف نجد في هذا المجال من غير المتخصصين من تغولوا عليه مما أضعف نتائج تعليم اللغة العربية، كما نفتقد للمناهج الموحدة في هذا الجانب، مما أدى لانتشار كتب ضعيفة التأليف جعلت الطلاب يفتقدون لمهارة التحدث حتى بعد سنوات من الدراسة، فنحن بحاجة لمنهج محدد وواضح لهذا الغرض.
ـ ما هو دور علم النفس في عملية التعليم والتربية؟.
علم النفس هو أساس التدريس، فبمجرد دخول المعلم للفصل يبدأ تطبيق علم النفس، وذلك من خلال التهيئة للفصل ومراعاة الفروق الفردية واكتشاف الموهوبين، لذا أوصي دائماً بضرورة إجراء اختبار نفسي للمعلم قبل انخراطه في التدريس، فالمعلم المضطرب نفسياً يؤثر سلباً على اتجاهات الطلاب نحو التخصصات، وقد كنت شخصياً ضحية لذلك في بداياتي الدراسية، فقد كنت أرغب في تخصص غير اللغة العربية ولكن بسبب اضطراب نفسية المعلمة التي كانت تدرسني تلك المادة كرهت المادة وتخصصت في اللغة العربية وتفوقت فيها بفضل الله.
زمن الرواية
ـ أصدر د. جابر عصفور كتاباً بعنوان "زمن الرواية"، وزعم البعض أنها أصبحت ديوان العرب بدلاً من الشعر، فما ردك؟.
ربما أصبحت الرواية فعلاً ديوان العرب، فهي متجددة وقد أتاح الانفتاح العالمي لها النشر والإبداع، فكتابة الرواية ليست كالشعر، وقد تأخذ حوليات لتظهر، وفي كتابتها صعوبة تحتاج لمتمكن ليحرك الشخصيات ويخلق المواقف ويختلق العقد ويحلها، وأحياناً قد يفشل، على عكس الشعر الذي يباغت الشاعر فيكتب قصيدته في وقت وجيز، وقد لا تكتمل لحظتها، لذا أرى أن الرواية فعلاً ديوان العرب.
ـ الأدب العربي والترجمة، ما هي معوقات الوصول إلى العالمية؟.
لا معوقات، كما أرى، فقد وصل الأدب العربي عالمياً، فمن خلال الجوائز العالمية ودراسات الأدب العربي في بعض الجامعات الأجنبية والترجمات عبر المسابقات والإصدارات وصل أدبنا العربي، فالآن هناك اتجاهات لتدريس بعض نصوص الأدب العربي عالمياً، بعد أن كنا نترجم الأدب الأجنبي إلى اللغة العربية أصبح الأدب العربي وبكل سهولة يترجم إلى اللغات الأجنبية ويجد حظه من النشر.
ـ بالنظر إلى المعوقات الكثيرة التي تواجه المرأة المبدعة، هل بوح المرأة العربية وصل عن طريق الإبداع الأدبي أم لا؟.
من أبرز المعوقات التي تواجه المرأة المبدعة بيئتها وأسرتها ثم الدولة ممثلة في مواعين الثقافة، فيكون من حسن حظ المبدعة أن تجد الدعم من أسرتها ومجتمعها، ومن ثم تستطيع الانطلاق نحو العالمية، وقد كنت محظوظة في ذلك، الآن وصل بوح المرأة عن طريق الإبداع الأدبي، فمع هذا التطور الرقمي والانفتاح العالمي والمواقع أتيح للمرأة أن يبرز بوحها وتصل كلمتها للعالمية.