إبراهيم خليل حمو.
في مسيرة الثقافة العربية المعاصرة، تبرز شخصيات إعلامية لم تنظر إلى الصحافة باعتبارها مهنة تقوم على متابعة الأخبار فقط، بل تعاملت معها بوصفها مشروعاً فكرياً وحضارياً يشارك في بناء الوعي، وحماية الذاكرة، ومدّ الجسور بين المبدعين والقراء. ومن بين هذه الشخصيات يأتي اسم الصحفي والإعلامي نواف يونس، الذي ترك بصمة واضحة في مجال الصحافة الثقافية العربية من خلال تجربته الطويلة، ولا سيما عبر عمله رئيساً لتحرير مجلة الشارقة الثقافية الصادرة عن دائرة الثقافة في الشارقة، ورئاسته لتحرير مجلة دبي الثقافية، حيث ساهم في ترسيخ حضور الثقافة العربية داخل المشهد الإعلامي.
لقد أدرك نواف يونس أن الصحافة الثقافية ليست مجرد صفحات مخصصة للأدب والفنون، وإنما هي فضاء واسع للحوار والمعرفة، ومنبر يفتح المجال أمام الشعراء والكتّاب والمفكرين والفنانين ليقدموا تجاربهم وأفكارهم. لذلك جاءت تجربته الصحفية قائمة على الإيمان بأن الإعلام الحقيقي هو الذي يمنح الثقافة مكانتها، ويجعل الكلمة جسراً بين الإنسان ومحيطه.
من خلال مجلة دبي الثقافية، ساهم نواف يونس في تقديم تجربة إعلامية ثقافية عربية متميزة، إذ تحولت المجلة إلى مساحة تجمع بين الأدب والفكر والفن والحوار الثقافي. وقد اهتمت المجلة تحت قيادته بتقديم أسماء عربية بارزة إلى جانب الاهتمام بالأصوات الجديدة، مؤكدة أن الثقافة عملية مستمرة تقوم على التواصل بين الأجيال.
وكانت رؤيته التحريرية تعتمد على التنوع والانفتاح، فالثقافة العربية ليست لوناً واحداً، بل هي مجموعة واسعة من التجارب الممتدة من المحيط إلى الخليج. ولهذا منح اهتماماً للشعر والرواية والقصة والنقد والفنون التشكيلية والمسرح والتراث، ليقدم للقارئ صورة شاملة عن حركة الإبداع العربي.
ومع توليه رئاسة تحرير مجلة الشارقة الثقافية التابعة لدائرة الثقافة في الشارقة، واصل نواف يونس دوره في خدمة المشروع الثقافي العربي، منسجماً مع المكانة التي تحتلها الشارقة بوصفها إحدى العواصم الثقافية المهمة في المنطقة العربية. فقد أصبحت المجلة نافذة للإبداع العربي، ومساحة للتعريف بالمثقفين والكتّاب، ومتابعة الفعاليات والمبادرات الثقافية التي تعزز حضور المعرفة.
تميز عمله في الصحافة الثقافية بالجمع بين المهنية الإعلامية والحس الإبداعي؛ فالصحفي الثقافي يحتاج إلى معرفة واسعة بالأدب والفكر، وقدرة على فهم التحولات التي تمر بها المجتمعات. ومن هنا كان دور نواف يونس يتجاوز حدود الإدارة التحريرية، ليصبح مشاركة في صناعة المشهد الثقافي نفسه.
لقد ساعد من خلال عمله على إبراز الكثير من التجارب الأدبية والفكرية العربية، ومنح مساحة للأقلام المختلفة، مؤمناً بأن الإعلام الثقافي يجب أن يكون بيتاً للمبدعين، وأن يمنح الفرصة للحوار والتنوع. فالصحافة الثقافية الناجحة لا تكتفي بنشر النصوص، بل تخلق علاقة بين الكاتب والقارئ، وبين الفكرة والمجتمع.
وعلى مستوى الإعلام العربي، يمثل نواف يونس نموذجاً للصحفي الذي حافظ على قيمة الكلمة وسط تغيرات إعلامية كبيرة. ففي زمن السرعة وانتشار الإعلام الرقمي، بقيت الحاجة قائمة إلى صحافة عميقة تقدم المعرفة والتحليل، وتحافظ على مكانة اللغة العربية والإبداع العربي.
كما أن دوره لا ينفصل عن أهمية المجلات الثقافية العربية التي لعبت عبر التاريخ دوراً كبيراً في تشكيل الوعي الفكري. فقد كانت هذه المجلات منصات لاكتشاف المواهب، وتوثيق الحركات الأدبية، وربط المثقفين العرب ببعضهم البعض، وهذا ما ساهمت فيه التجارب التحريرية التي قادها.
أما على المستوى العالمي، فإن الصحافة الثقافية التي شارك نواف يونس في دعمها تمثل وجهاً حضارياً للثقافة العربية أمام الآخر. فهي تقدم صورة مختلفة عن العالم العربي، صورة قائمة على الأدب والفن والفكر والإبداع، وتؤكد أن الثقافة لغة مشتركة بين الشعوب.
فالانفتاح الثقافي العالمي يحتاج إلى مؤسسات إعلامية وشخصيات تؤمن بالحوار، لأن الأدب والفنون قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. ومن خلال الاهتمام بالثقافة العربية ونشر تجارب مبدعيها، يصبح الإعلام وسيلة لتعريف العالم بعمق الحضارة العربية وتنوعها.
وتبرز أهمية تجربته أيضاً في المحافظة على الصحافة المكتوبة والمجلة الثقافية في عصر التحول الرقمي. فرغم تغير وسائل القراءة وانتقال كثير من المحتوى إلى المنصات الإلكترونية، بقي للمجلة الثقافية دورها الخاص، لأنها تقدم محتوى موثقاً وأكثر عمقاً واستمرارية.
إن تجربة نواف يونس في قيادة مؤسسات صحفية ثقافية تؤكد أن رئيس التحرير ليس مجرد مسؤول عن اختيار المواد ونشرها، بل هو صاحب رؤية يحدد هوية المنبر الإعلامي واتجاهه، ويساهم في بناء علاقة بين المؤسسة الثقافية والجمهور.
لقد استطاع عبر مسيرته أن يكون جزءاً من حركة ثقافية عربية واسعة تؤمن بقوة الكلمة، وبأن الصحافة يمكن أن تكون شريكاً أساسياً في نهضة الفكر والإبداع. ومن خلال عمله في دبي والشارقة، ارتبط اسمه بتجارب إعلامية سعت إلى تقديم الثقافة العربية بصورة راقية ومنفتحة.
وفي النهاية، يبقى نواف يونس مثالاً للإعلامي الثقافي الذي آمن بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، وأن الثقافة هي الذاكرة الحية للشعوب. فقد ساهم من خلال موقعه الصحفي والتحريري في خدمة الأدب العربي، ودعم التواصل بين المبدعين، وتعزيز حضور الثقافة العربية في الإعلام العربي والعالمي.
إن مثل هذه التجارب تؤكد أن الكلمة الصادقة قادرة على عبور الزمن، وأن الصحافة الثقافية ستظل جسراً بين الماضي والحاضر، وبين الهوية العربية والآفاق الإنسانية الرحبة، لتظل الثقافة خط الدفاع الأول عن وعي الأمة، والمنارة التي لا تنطفئ في وجه التحولات.