في البدء كان الفرد؛ شق طريقه في العصر الحجري، واعتمد على نفسه في مقاومة عوامل الطبيعة في صراع البقاء. ومع التطور ظهرت الجماعات، والتي تعتبر أول محاولة تنظيمية للنشاط البشري. وفي عصور تالية ظهر مفهوم «العشيرة» أو الجماعة، ومن ثم ظهر مفهوم القبيلة.
وفي إطار الحاجة إلى تنظيم المصالح المشتركة، وحفظ الأمن الاجتماعي، وضمان استمرار النظم عبر الأجيال، ظهرت المؤسسة؛ بمفهومها الإداري المعاصر القائم على اللوائح والتوصيفات الوظيفية، وأوقات العمل الرسمية، وتطور هذا الشكل بصورة واضحة مع الثورة الصناعية في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين كانت الحاجة ملحة لإدارة الإنتاج الضخم وتنظيم الأعمال المتشعبة.
وعلى مر التاريخ، كان الإبداع قريناً بالفرد؛ فكل المخترعين العظام أفراد، وكل الفاتحين والمبتكرين والمصلحين أفراد، وكل الحاصلين على جوائز نوبل أفراد. فهل سمعت يوماً أن مؤسسة ما ابتكرت اختراعاً غيّر العالم؟. منذ البداية كان الخلق والتغيير مرهونين بإرادة أفراد قيضهم الله ليغيروا مسيرة البشر.
وفي عالم الصحافة لدينا مثال قوي، وهي «صحافة الأفراد» التي تأسست مع بدايات القرن التاسع عشر، حيث نشأت الصحف والمجلات على أيدي أفراد؛ كتبوا وأبدعوا وقدموا عصارات الفكر، وساهموا في إيقاد شعلة التنوير في العالم العربي.
وتجمع كل المصادر على أن هذا العصر هو العصر الذهبي للصحافة، وهو ما تغير تماماً عام 1960 بعد تأميم الصحف وتحويلها إلى مؤسسات قومية تابعة للدولة، فأصبحت الصحافة ـ في كثير من الأحيان ـ مجرد أبواق إعلامية إخبارية موجّهة بيد السلطة.
وبعيدا عن المشاريع الكبيرة، على الأرض ظل المبدع الفرد يعمل ويجتهد ويؤسس المشاريع الفكرية التطوعية البسيطة، والقائمة في حياتنا الثقافية تطول، على سبيل المثال فؤاد حجازي الذي قاد من مدينته المنصورة حركة نشر غير عادية. والتي أفرزت عن كتب نحيلة متواضعة الطباعة عظيمة الوقع والتأثير.
ولا زلت أتذكر حركة مجلات الماستر في الثمانينات التي صدرت في الأقاليم والتي أسفرت عن مجلات ثقافية رفيعة المستوى يقودها أفراد ومنها "النديم" في الإسكندرية و"إضاءة 77" في القاهرة، و"الرافعي" و"الساحة" و"ضفاف" في الغربية. إضافة إلى عشرات المجلات الأخرى صدرت في المنصورة وطنطا والزقازيق وأسيوط وسوهاج والمنيا والإسماعيلية وغيرها، وهي تجربة صحفية ثقافية مهمة لم تحظَ بالتوثيق.
وإذا تحدثنا عن الصالونات والتجمعات الثقافية سنذكر الكثير مثل صالون العقاد في القاهرة الذي أداره "الأستاذ" لسنوات طويلة من بيته بمصر الجديدة، وصالون مي زيادة الذي كان أيقونة التجمعات الثقافية والرواد في مطلع العصر الحديث، ومن الصالونات الأحدث صالون عبد الله السيد شرف الذي كان يقام في قرية صناديد في محافظة الغربية، وكان ملتقى اسبوعي يجذب أبرز الكتاب والمثقفين في مصر والعالم العربي.
أسماء كثيرة اقتطعت من أرزاقها أموالا وأنفقت الغالي الرخيص في سبيل تكوين مشروع ثقافي يخدم الأدباء ويقدم قيمة حقيقية. ورغم ضيق ذات اليد تمكنوا من أحدث حراك ثقافي لا يقل عن حرك الوزارات والمؤسسات التي تصل ميزانياتها إلى ملايين.
ورغم أن حركة الابداع الفردي هذه طبيعية ومبررة، إلا أنها جاءت في المقام الأول كردة فعل على تقصير المؤسسة الثقافية، فالمؤسسة الحكومية الثقافية بطبعها تعاني من العديد من السلبيات مثل البيروقراطية والمجاملات والمركزية والفساد والشللية والجمود الإداري.
وفيما أقبل معظم المبدعين على المؤسسة الرسمية حتى ينعموا بالمكاسب، هناك قلة اتخذت موقفا مناهضا لها، ومنهم صنع الله إبراهيم الذي رفض جائزة قدمتها له وزارة الثقافة المصرية عام 2003، اعتراضاً على السياسات الحكومية، وغياب الحريات والديمقراطية، والمواقف الرسمية من القضايا العربية.
وظلت العلاقة بين المبدع الحر والمؤسسة على هذا النحو من التناقض والحساسية، والعداء الصامت، والحالة الوحيدة التي قابلتها والتي تمكن فيها المبدع الفرد من تطويع المؤسسة الرسمية بلوائحها العتيقة وتحويلها إلى مشروع ابداعي منتج، حدثت على يد الشاعر الراحل فاروق خلف الذي حول مديرية الشباب والرياضة في محافظة الغربية إبان ترؤسه لها إلى مشروع ثقافي فريد، أطلق من خلاله مجلة "الرافعي"، التي أحدثت نهضة ثقافية حقيقية في محافظات الدلتا، وحرّك مطابع المديرية الحكومية الرتيبة لإصدار العديد من المؤلفات القيمة.
ومهما كانت الأسباب، فإن السبب الأساسي في انفصال المبدع عن المؤسسة، يكمن في كثير من الأحيان إلى الاختلاف الجذري بين المؤسسة الثقافية المقيدة باللوائح والأنظمة والتعليمات، مع المثقف الذي ينطلق من مبدأ الحرية.
أتذكر تجربة الصديق عبد الله السمطي مع صحيفة "الوطن" في التسعينات، والتي دونها في كتاب بعنوان "أيام في الوطن" وكان ـ إضافة على اسهاماته النقدية العالية ـ من أفضل الصحفيين بالصحيفة، ولكن لم تشفع له سبقاته الصحفية التي تناقلتها وكالات الأنباء، فقام رئيس التحرير بإنهاء خدماته لسبب غريب وهو عدم التزامه بالدوام.
وحتى بعد COVID-19 والانقلاب الذي حدث في منظومة العمل، وبروز "العمل عن بعد" كأسلوب عمل وحياة، والتقنية التي انتصرت للمبدع الفرد، وظهور شركات تعمل بالمليارات وتدار من المنازل، ظلت العلاقة بين الفرد والمؤسسة متوترة.
يجب أن نعترف بأن المستقبل ليس في صالح المؤسسات لأسباب عدة، منها أن نظام العمل تغير، وأن الواقع والمستقبل للعمل على بعد، وأن تجارة العقارات والمخازن والمشتريات والبدلات والصيانة والتعيينات والموارد البشرية انهارت أمام ثقافة العمل من المنزل.
لذلك لا مفر من التغيير الجذري في العمل المؤسسي، والمضي قدما نحو العمل المرن والحر، ولتكن البداية بـ "تفريد المؤسسة" إن صح التعبير ـ، بتحويل بعض مهام المؤسسات تدريجيا إلى الأفراد.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي دمر أسس الوظيفة، ووجود قائمة طويلة من الوظائف لن يكون لها وجود في المستقبل، يصبح التغيير ليس خيارا، ولكن أمرا لا مفر منه.
يجب على المؤسسة أن تبدأ في أكبر عملية تغيير في البنية والهيكل والأسلوب ومعايير الأداء، وإنهاء الروتين والبيروقراطية، والنمطية والإذعان، أما المبدع الفرد فمن حقه أن يشعر بالانتصار، فهذه فرصته الذهبية ليس فقط للتألق والإبداع، ولكن لتغيير العالم.
مفهوم العمل يتغير والوظيفة تتآكل، والمستقبل يبشّر بأشكال عجيبة من العمل قد تتخطى حتى حكاية العمل عن بعد، تحدد فيه الروبوتات متى تنهض، ومتى تجلس، ومن يستعد لهذه المرحلة سينجو، ومن يتكاسل، سيطيح به الطوفان.