القاهرة: روبو أديب
يُعد الهكسوس من أكثر الشعوب إثارةً للجدل في تاريخ مصر القديمة، فقد كانوا أول حكام أجانب يفرضون سيطرتهم على أجزاء واسعة من البلاد، قبل أن ينجح المصريون في تحرير وطنهم وتأسيس عصر الإمبراطورية المصرية.
وعلى مدى قرون، رسخت الرواية المصرية القديمة صورة الهكسوس باعتبارهم غزاةً اجتاحوا البلاد بالسيف والنار. لكن الدراسات الأثرية الحديثة تقدم قراءة أكثر تعقيدًا؛ إذ تشير إلى أن كثيرًا من الهكسوس دخلوا مصر في البداية كمهاجرين وتجار، واستقروا تدريجيًا في شرق دلتا النيل، مستفيدين من ازدهار التجارة مع بلاد الشام. ومع تراجع السلطة المركزية وانقسام البلاد خلال أواخر عصر الدولة الوسطى، تحول هذا الوجود السكاني والاقتصادي إلى نفوذ سياسي وعسكري انتهى بسيطرة الهكسوس على شمال مصر، دون أن يكون ذلك نتيجة غزو عسكري شامل منذ اللحظة الأولى.
وبين الرواية التقليدية التي تصفهم بالغزاة، والرؤية الأثرية التي ترى أن صعودهم كان ثمرة هجرة تدريجية استغلت ضعف الدولة، تبقى قصة الهكسوس واحدة من أهم محطات التاريخ المصري القديم؛ إذ لم تنتهِ باحتلال أجزاء من البلاد فحسب، بل أطلقت أيضًا واحدة من أعظم حركات التحرير الوطني، التي قادها ملوك طيبة وانتهت بطرد الهكسوس وتأسيس الدولة الحديثة، عصر القوة والتوسع الإمبراطوري المصري.
من هم الهكسوس؟
كلمة الهكسوس مشتقة من التعبير المصري القديم «حقا خاسوت»، أي «حكام البلاد الأجنبية»، وليست اسمًا لقبيلة أو شعب بعينه. ويرى معظم علماء المصريات أنهم جماعات سامية جاءت من بلاد الشام (فلسطين وجنوب سوريا ولبنان)، واستقرت تدريجيًا في شرق دلتا النيل قبل أن تتحول إلى قوة سياسية وعسكرية.
كيف تمكنوا من السيطرة على مصر؟
لم يكن احتلال الهكسوس لمصر غزوًا خاطفًا كما تصوره الروايات القديمة، بل جاء نتيجة عدة عوامل:
ضعف الدولة المصرية في أواخر الأسرة الثالثة عشرة، وانهيار السلطة المركزية.
الهجرة التدريجية لجماعات آسيوية إلى شرق الدلتا، حيث أسسوا مستوطنات مزدهرة.
السيطرة الاقتصادية على طرق التجارة بين مصر وبلاد الشام.
الاستفادة من الانقسام السياسي بين حكام الشمال والجنوب حتى تمكنوا من فرض نفوذهم العسكري والسياسي.
عاصمة الهكسوس
اتخذ الهكسوس مدينة أواريس (تل الضبعة حاليًا بمحافظة الشرقية) عاصمة لهم، ومنها حكموا معظم الوجه البحري وأجزاء من مصر الوسطى، بينما بقيت طيبة (الأقصر) تحت حكم أسرة مصرية محلية في الجنوب.
امتلك الهكسوس أسلحة وتقنيات لم تكن شائعة في الجيش المصري آنذاك، من أهمها: العربات الحربية التي تجرها الخيول. القوس المركب بعيد المدى. بعض أنواع السيوف البرونزية المتطورة.
ومع ذلك، يشير عدد من الباحثين إلى أن بعض هذه التقنيات ربما دخلت مصر تدريجيًا ولم يكن الهكسوس أول من اخترعها، لكنهم استخدموها بكفاءة كبيرة في القتال.
المقاومة المصرية
لم يستسلم المصريون لحكم الهكسوس، بل بدأت حركة التحرير من مدينة طيبة بقيادة ثلاثة ملوك متعاقبين:
سقنن رع تاعا: بدأ المواجهة العسكرية مع الهكسوس. تشير إصابات جمجمته إلى أنه قُتل في المعركة أو أُعدم بعد أسره.
كامس: واصل الحرب شمالًا. استعاد عددًا من المدن، وضيّق الخناق على الهكسوس.
أحمس الأول: حقق النصر النهائي. استولى على أواريس. طارد فلول الهكسوس حتى جنوب فلسطين، وحاصر مدينة شاروحين لعدة سنوات قبل القضاء على مقاومتهم.
كيف أُزيل الهكسوس من مصر؟
حوالي عام 1550 قبل الميلاد، نجح أحمس الأول في: استعادة الدلتا بالكامل، وإسقاط عاصمة الهكسوس أواريس، ومطاردة الهكسوس خارج الحدود المصرية، وتأمين الحدود الشرقية لمنع عودتهم.
وبذلك انتهت فترة حكمهم، وبدأت الدولة الحديثة، وهي العصر الذي بلغت فيه مصر القديمة ذروة قوتها العسكرية والسياسية.
ماذا تعلم المصريون من الهكسوس؟
رغم أن المصريين اعتبروا الهكسوس محتلين، فإنهم استفادوا من خبراتهم العسكرية، فقاموا بتطوير الجيش إلى جيش محترف دائم، واستخدام العربات الحربية على نطاق واسع، وتحسين صناعة الأسلحة البرونزية، واتباع سياسة هجومية خارج الحدود لحماية مصر.
وقد ساعد ذلك في بناء الإمبراطورية المصرية التي امتد نفوذها إلى بلاد الشام والنوبة خلال الأسرة الثامنة عشرة.
هل كان الهكسوس غزاة أم مهاجرين؟
هذه من أكثر القضايا إثارة للنقاش بين الباحثين اليوم، فالرواية المصرية المتأخرة تصفهم بأنهم غزاة دمّروا البلاد، بينما تشير الأدلة الأثرية الحديثة إلى أنهم ربما وصلوا إلى مصر تدريجيًا كمهاجرين وتجار، ثم استغلوا ضعف السلطة المركزية لانتزاع الحكم، وليس عبر غزو عسكري شامل منذ البداية. لذلك يميل كثير من علماء المصريات المعاصرين إلى أن صعودهم كان تدريجيًا أكثر منه اجتياحًا مفاجئًا.