الأمير كمال فرج.
في واقعة صادمة تهز أركان الصحافة الرقمية، تم الكشف عن قيام اثنتين من كبريات المجلات التقنية المرموقة، Wired و Business Insider، بنشر مقالات كاملة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. هذا الاكتشاف لا يثير تساؤلات حول معايير التحرير فحسب، بل يطلق جرس إنذار حول مستقبل المحتوى الصحفي، محذرًا من خطر غرق الإنترنت في سيل من النصوص الزائفة التي لا أساس لها من الصحة.
ذكرت صحيفة Press Gazette في تحقيق مثير، أن العديد من المنافذ الإعلامية قامت بحذف مقالات منشورة باسم "مارغو بلانشارد" بعدما أثيرت الشكوك حول أنها قصص خيالية ومُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي". وبعد تواصل Press Gazette مع منظمة "إندكس أون سنسورشيب" غير الربحية بخصوص مقال لنفس الكاتبة، خلصت المنظمة إلى أن القطعة "يبدو أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي".
إحراج Wired
يُعتبر هذا الموقف محرجًا بشكل خاص لمجلة Wired، وهي مجلة تقدم باستمرار تغطية ممتازة حول كيفية قيام الذكاء الاصطناعي التوليدي بإغراق الإنترنت بـ"المحتوى الرديء"، مما يقوض غالبًا الإبداع البشري في هذه العملية. من غير الواضح حجم الأموال التي حصل عليها الشخص الذي يقف وراء هذا الاحتيال، ولكن بالنظر إلى أن مجلة Wired تدفع أحيانًا آلاف الدولارات للتقارير المتعمقة والطويلة، فقد يكون المبلغ كبيرًا.
كيف وقع المحررون في الفخ؟
هذا الحادث هو بالتأكيد علامة حمراء. فمع تقدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، أصبحت روبوتات الدردشة بارعة بشكل لا يصدق في إنتاج نصوص تبدو حقيقية. في هذه الحالة، يبدو أن المحررين البشريين في منشورات مرموقة وقعوا ضحية لعملية احتيال. لقد صادفنا بالفعل العديد من الأمثلة على وقوع المنشورات في فخاخ مماثلة، بل وهناك تكتلات إعلامية تُسرّع هذا الاتجاه عبر ضخ المحتوى الرديء الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي مباشرة في الصحف.
حذف المحتوى المشبوه
من غير المستغرب أن تتحرك كل من Business Insider و Wired بسرعة لحذف المحتوى المعني من مواقعها الإلكترونية. حيث جاء في ملاحظة للمحررين بتاريخ 19 أغسطس حيث كان المقال موجودًا: "تمت إزالة مقال "العمل عن بعد كان أفضل شيء لي كوالد ولكن الأسوأ كشخص" لأنه لا يفي بمعايير Business Insider". كما أن ملاحظة المحررين في Wired، حيث كان المقال بعنوان "وقعا في الحب أثناء لعب ماينكرافت. ثم أصبحت اللعبة مكان زفافهما"، تحذر من أن القصة تم سحبها لأنها "لا تفي بمعاييرنا التحريرية".
علامات تدل على الذكاء الاصطناعي
يتناسب عنوان المقال تمامًا مع التغطية المعتادة لـ Wired، مما يجعله طرحًا مناسبًا للمجلة التقنية. لكن نظرة فاحصة كشفت عن العديد من العلامات التي تدل على أن النص قد تم توليده بواسطة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التراكيب الجملية المألوفة بالفعل. كما يشير المقال إلى كاهن مُعتمد في شيكاغو لا يبدو أنه موجود.
استمرت القصة في الانتشار عبر الإنترنت، حيث تم إعادة نشر مقال Wired من قبل عدة منشورات أخرى، بما في ذلك Mashable.
انتشار المحتوى المزيف
في الوقت نفسه، نشرت Business Insider مقالين شخصيين بنفس الاسم المستعار، بفارق يومين فقط. أحدها، مقال عام جدًا حول أن تصبح والدًا، لا يزال متاحًا على النسخة الهولندية للموقع الإخباري. كتب المؤلف المزعوم: "إذا كان هناك شيء واحد تعلمته، فهو هذا: ليس هناك وقت مثالي لتصبح والدًا. هناك فقط الوقت الذي تمنحه لك الحياة وما تختاره أن تفعله به".
كما تم اكتشاف العديد من المجلات الأخرى وهي تنشر مقالات تحت الاسم المزعوم للكاتبة، بما في ذلك مجلة الموسيقى Cone Magazine وحتى SFGate، وهي مجلة إخبارية كاليفورنية حائزة على جوائز. مقال حول كيف يتحول شغف "المعجبين الخارقين" بـ "ديزني لاند" من "هواية إلى هوس" لا يزال موجودًا على موقع SFGate وقت كتابة هذا التقرير، وهو يذكر مُنشئة محتوى على تيك توك لا يبدو أنها موجودة.
مستقبل الصحافة
على الرغم من أن المنشورات المتضررة تتصرف بمسؤولية عبر سحب المقالات الرديئة، إلا أن المخاطر على مستقبل الصحافة هائلة. فأولاً، تتآكل الثقة فيما نقرأه عبر الإنترنت بشكل نشط بسبب التكنولوجيا. وقد وجدت دراسات سابقة أن إفصاحات استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن تضر بالثقة أيضًا.
في حواره مع صحيفة Press Gazette، صاغ "جيكوب فوريدي" المشكلة بقوله إنه يتلقى الآن عددًا هائلاً من مقترحات المقالات التي كُتبت بوضوح باستخدام ChatGPT. ووصف هذا الاتجاه بأنه "مروع"، معتبرًا إياه علامة خطيرة على المسار الذي تتجه إليه أنواع معينة من الصحافة في الوقت الحاضر.