القاهرة: الأمير كمال فرج.
بينما يتسابق أقطاب التكنولوجيا في "سيليكون فالي" نحو بلوغ ذروة الذكاء الاصطناعي العام، يلوح في الأفق تساؤل مصيري يتجاوز حدود الأرباح والأسهم: ماذا سيحل بالبشرية حين تصبح الآلة قادرة على أداء كل شيء؟ يروج إيلون ماسك وسام ألتمان لمستقبل يفيض بالرخاء بلا عناء، لكن خلف هذه الوعود الوردية تكمن حقيقة مريرة يخشى الكثيرون مواجهتها، فهل نحن حقاً على أعتاب عصر التحرر من الكدح، أم أننا نقاد نحو مستقبل يمتلك فيه الذكاء الاصطناعي كل شيء، بينما يبقى الإنسان "خارج الخدمة"؟
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "لم يعد سراً أن الهدف النهائي لعمالقة التكنولوجيا هو إحلال الذكاء الاصطناعي محل القوى العاملة البشرية في شتى المجالات، لترسيخ مكانتهم كركيزة لا غنى عنها في الاقتصاد العالمي. ولكن، ماذا سيحدث حقاً إذا وصلنا إلى تلك النقطة؟"
الحقيقة أن هؤلاء الأقطاب إما أنهم لا يملكون أدنى فكرة، أو أنهم يفضلون الصمت المتعمد، ففي مؤتمر صحفي عُقد الشهر الماضي، صرح جيفري هينتون ــ رائد الشبكات العصبية التي تمثل حجر الأساس للذكاء الاصطناعي الحديث ــ قائلاً: «من الواضح أن الكثير من الوظائف ستختفي، لكن الضبابية تلف إمكانية خلق وظائف جديدة تحل محلها».
هينتون، الملقب بـ «عراب الذكاء الاصطناعي»، دأب على التحذير من التكلفة الاجتماعية الباهظة للاعتماد الكلي على الحلول التقنية في ظل نظام اقتصادي يحركه الربح وحده. وأضاف مؤكداً: «الأزمة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في نظامنا السياسي. فإذا حققنا قفزة هائلة في الإنتاجية، فكيف سيتم توزيع هذه الثروة؟».
إنه سؤال جوهري في وقت بات فيه الإنفاق على الذكاء الاصطناعي جزءاً أصيلاً من الاقتصاد الأمريكي، ومع ذلك، يقف عمالقة التقنية ومطوروها عاجزين عن تقديم إجابة شافية.
على سبيل المثال، اعتاد إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي SpaceX وTesla، الحديث بشاعرية عن مستقبِل يغدق فيه الذكاء الاصطناعي والروبوتات الثروة على الجميع. ماسك، الذي يتربع على عرش أغنى أغنياء العالم، أمضى الأسابيع الأخيرة في الترويج لفكرة «الدخل المرتفع الشامل»؛ وهي نسخة معدلة من الدخل الأساسي الشامل، حيث يفترض أن يعيش كل فرد فقد وظيفته في رغد من العيش بفضل ازدهار الشركات الخاصة، مثل شركته الناشئة المتعثرة "xAI".
لكن، وكما يشير جون كاسيدي في مجلة New Yorker، فإن هذا الرخاء المادي للعمال المسرحين لن يتحقق ما لم يوافق ماسك وزملاؤه من أصحاب المليارات على تقاسم ثرواتهم. (وكما كتب مارتن لوثر كينغ من سجن برمنغهام: «الحقيقة التاريخية تؤكد أن الجماعات ذات الامتيازات نادراً ما تتنازل عن امتيازاتها طواعية»).
ومن جانبه، ردد سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، أفكاراً مشابهة، معرباً عن أمله في أن يحقق الذكاء الاصطناعي ما أسماه «الثراء الفاحش الشامل»، حيث يمتلك الجميع حصصاً في شركات الذكاء الاصطناعي.
أما مصطفى سليمان، المؤسس المشارك لـ DeepMind والرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي في Microsoft، فقد وصف الذكاء الاصطناعي بأنه «أداة لاستبدال العمالة بشكل جوهري»، معتبراً أن الاضطراب الاقتصادي الواسع ثمن يستحق الدفع؛ لأنه «خلال 15 أو 20 عاماً، سننتج معرفة علمية وثقافية بتكلفة هامشية تقترب من الصفر».
وبنظرة شاملة، يبدو من الصعب تصديق تحقق هذا السيناريو الوردي. ففي الوقت الحالي، يتوقع بنك Goldman Sachs زيادة قدرها 7% فقط في الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال السنوات العشر القادمة بفضل الذكاء الاصطناعي، بينما يرى نموذج ميزانية Penn Wharton زيادة لا تتعدى 3.7% بحلول عام 2075.
إن أي دفعة في الناتج المحلي الإجمالي يحركها الذكاء الاصطناعي ستكون مفيدة بلا شك، لكنها تظل بعيدة كل البعد عن المستوى المطلوب لتجنب الفقر المدقع والبؤس الاجتماعي، ما لم يقدم الأثرياء تنازلات كبرى. ولكن، إذا كانوا جادين حقاً في وعودهم، فلم يعد هناك وقت أفضل من الآن ليثبتوا صدق أقوالهم بأفعالهم.