القاهرة: الأمير كمال فرج.
لا يزال عدم الاستقرار الاقتصادي يلقي بظلاله القاتمة على سوق العمل؛ ففي العام الماضي، عانى سوق العمل في الولايات المتحدة من تبعات تباطؤ الأجور، وموجات التسريح، وتراجع ملحوظ في التوظيف، مما أدى إلى وصول معدل البطالة إلى أعلى مستوياته منذ أربع سنوات مع نهاية عام 2025.
ذكر فيكتور تانغرمان في تقرير نشرته مجلة Futurism "في الوقت الذي يشتد فيه الجدل حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يستبدل الوظائف فعلياً بأعداد كبيرة، تسعى العديد من الشركات التقنية الناشئة لتحويل هذا الأمر إلى واقع ملموس".
وحسب تقرير لصحيفة Wall Street Journal، تقوم شركة Mercor -وهي شركة ذكاء اصطناعي واعدة تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها- بتوظيف الباحثين عن عمل اليائسين للقيام بمهمة وصفت بأنها "موحشة": وهي تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي للقيام بالمهام التي كانوا يؤدونها هم أنفسهم في السابق.
واقع مرير وتوقعات مثيرة للقلق
يمثل هذا المشهد واقعاً جديداً ومحبطاً، تزامناً مع تزايد المخاوف من استبدال الذكاء الاصطناعي للوظائف بشكل جماعي. وكان "عراب" الذكاء الاصطناعي وعالم الحاسوب، جيفري هينتون، قد توقع في وقت سابق من العام الماضي أن التكنولوجيا ستستمر في "إزاحة أعداد هائلة من الوظائف" خلال عام 2026 مع تطور التقنية وتحسن أدائها.
كما كشفت دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT العام الماضي أن مهام أكثر من 20 مليون أمريكي يمكن استبدالها بالذكاء الاصطناعي الحالي، وهو ما يمثل قيمة أجور تصل إلى 1.2 تريليون دولار.
إن دفع مبالغ مالية لأشخاص يكافحون أصلاً لإيجاد عمل في سوق متدهور لتدريب "بدائلهم" المستقبلية هو مفارقة قاسية في عصر الذكاء الاصطناعي، مما أثار الكثير من الفكاهة السوداء بين العاملين.
تقول كاتي ويليامز (30 عاماً)، وهي محررة فيديو تعمل مع شركة Mercor منذ ستة أشهر في كتابة النصوص التوضيحية وتقييم المقاطع: كنت أمزح مع أصدقائي قائلة إنني أدرب الذكاء الاصطناعي ليحل مكاني يوماً ما.
أما بيتر فالديز دابينا، وهو صحفي متخصص في قطاع السيارات تم تسريحه في عام 2024، فيعمل حالياً في نقد وتصحيح المقالات الإخبارية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لصالح الشركة ذاتها. ورغم أنه يدرك حجم السخرية في الموقف، إلا أنه يحاول تبرير الأمر لنفسه قائلاً: لم أخترع الذكاء الاصطناعي ولن أتمكن من محوه. إذا توقفت عن فعل هذا، فهل سيتوقف التطور؟ الإجابة هي لا.
سياسات العمل والقيود الرقمية
وظفت شركة Mercor عشرات الآلاف من المتعاقدين العام الماضي بعد توقيع شراكات مع عمالقة صناعة الذكاء الاصطناعي مثل OpenAI و Anthropic. ومع ذلك، يبدو أن الأمان الوظيفي والدخل المستقر بعيدا المنال؛ حيث قامت الشركة فجأة بتسريح آلاف المصنفين للبيانات العام الماضي، لتعيد توظيفهم لاحقاً في مشاريع مماثلة ولكن بأجور أقل بكثير.
وصرحت متحدثة باسم الشركة للصحيفة بأن على المتعاقدين تثبيت برامج لتتبع الوقت على حواسيبهم لضمان عدم التقصير في العمل، مشيرة إلى أنه تم ضبط البعض وهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي نفسه لتقييم مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي.
تفاؤل حذر وشكوك في القدرات
رغم ذلك، لا يزال البعض يشكك في قدرة هذه التكنولوجيا على استبدال العمالة البشرية بالكامل. سارة كوبيك، وهي محامية تعمل مع Mercor لتحسين دخلها، ذكرت أن هذه التجربة علمتها حدود وقصور الذكاء الاصطناعي.
وبالفعل، وجد الباحثون أن الشركات قد تبالغ بشكل كبير في تقدير ما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله؛ فعلى سبيل المثال، كشفت دراسة من جامعة كارنيغي ميلون أن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي المتاحة حينها فشلت في إنجاز المهام المكتبية الواقعية بنسبة تصل إلى 70 % من الحالات.