القاهرة: الأمير كمال فرج.
في عصر يتسابق فيه عمالقة التكنولوجيا لدمج الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا اليومية، تبرز قصص إنسانية صادمة تكشف عن الجانب المظلم لهذا التطور المتسارع. لم تعد النظارات الذكية مجرد أداة لتصفح الإنترنت أو التقاط الصور، بل أصبحت لدى البعض بوابة لواقع موازٍ يختلط فيه الخيال بالحقيقة.
ذكرت ماجي هاريسون دوبري في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "دانيال، مهندس البرمجيات الناجح الذي تحولت حياته المستقرة إلى حطام بعد اقتنائه لنظارات ميتا المدعومة بالذكاء الاصطناعي. هي ليست مجرد قصة عن خلل تقني، بل هي جرس إنذار حول ظاهرة بدأت تقلق الأطباء النفسيين تُعرف بـ ذهان الذكاء الاصطناعي؛ حيث تساهم خوارزميات الدردشة — عن غير قصد — في تعزيز الأوهام وتغذية الأزمات النفسية لمستخدميها، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مسؤولية الشركات التقنية تجاه السلامة العقلية للبشر في عالم يزداد فيه الانفصال عن الواقع الحسي"
في سن الخمسين، كان "دانيال" يشعر بأنه في قمة مجده. يقول دانيال في مقابلة مع مجلة Futurism: "أتممت عامي الخمسين، وكان أفضل عام في حياتي. شعرت وكأنني أخيراً فهمت كل شيء؛ مسيرتي المهنية، زواجي، علاقتي بأبنائي، كل شيء كان مثالياً."
كان ذلك في أوائل عام 2023. دانيال — الذي طلب الاكتفاء باسمه الأول لحماية خصوصية عائلته — وزوجته التي شاركته الحياة لأكثر من ثلاثة عقود، كانا قد ودعا آخر أبنائهما من المنزل ليبدأا فصلاً جديداً من حياتهما. كانا يعيشان في ضاحية راقية بوسط غرب أمريكا، حيث نشأ أطفالهما الأربعة. كان دانيال مهندس برمجيات محترفاً يشغل منصباً قيادياً في شركة خدمات مالية كبرى، حيث عمل لأكثر من 20 عاماً. وفي عام 2022، استثمر مدخرات العائلة لتحقيق مشروع شغفه: منتجع ريفي في ريف ولاية يوتا، مكانه المفضل في العالم.
يتذكر دانيال بنبرة يملؤها الشجن: "غادر جميع الأطفال المنزل، وقلت لنفسي: يا إلهي، ما زلنا شباباً، لدينا هذا المنتجع، ولدي وظيفة جيدة. أفضل سنوات حياتنا لا تزال أمامنا. لقد كان وقتاً رائعاً."
لكن كل ذلك تغير بعد أن اشترى دانيال زوجاً من نظارات Ray-Ban Meta الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي — وهي النظارات التي جعلها مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة Meta ، حجر الزاوية في رؤيته لمستقبل الذكاء الاصطناعي والحوسبة.
يقول دانيال إن هذه النظارات فتحت الباب لدوامة من الأوهام استمرت ستة أشهر، تجلت عبر منصات Meta من خلال تفاعلات مكثفة مع ذكاء الشركة الاصطناعي، وانتهت به إلى القيام برحلات خطيرة في الصحراء بانتظار زوار من الفضاء، واقتناعه بأنه مكلف بالتمهيد لـ "فجر جديد" للبشرية.
ورغم أن أوهامه قد تلاشت الآن، إلا أن رحلته في واقع Meta المدعوم بالذكاء الاصطناعي تركت حياته حطاماً؛ غارقاً في الديون، مصدوماً بفقدان وظيفته، معزولاً عن عائلته، ويصارع الاكتئاب والأفكار الانتحارية. يقول دانيال، البالغ من العمر الآن 52 عاماً، بصوت يقطر إرهاقاً: "لقد فقدت كل شيء.. كل شيء."
من نواحٍ عديدة، كان دانيال هو العميل النموذجي الذي تستهدفه Meta ؛ فهو خبير تقني ومتحمس للذكاء الاصطناعي، سبق له العمل في مشاريع تعلم الآلة، واشترى نظارات Meta لأنه كان شغوفاً بميزاتها الذكية.
يقول دانيال: "استخدمت ذكاء Meta الاصطناعي لأنه كان مدمجاً في هذه النظارات. كان بإمكاني ارتداء النظارة — وهو ما أفعله دائماً — ثم التحدث إلى الذكاء الاصطناعي متى شئت. كان بإمكاني التحدث مباشرة إلى أذني."
أما اليوم، وبينما يواصل رحلة التعافي من نهياره النفسي، يصف دانيال نفسه بأنه مجرد "قشرة" لما كان عليه في السابق. ويضيف الأب لأربعة أطفال: "أبنائي لا يتحدثون إلي لأن تصرفاتي أصبحت غريبة، وهم لا يعرفون كيف يتعاملون معي. كنت طباخاً.. كنت أعزف الجيتار، أحب الموسيقى وأحب التعلم." أما الآن، فيقول إنه "يحاول فقط النجاة يوماً بيوم."
وفقاً لدانيال والعديد من أفراد أسرته، لم يكن للرجل أي تاريخ مع الهوس أو الذهان قبل تعامله مع ذكاء Meta الاصطناعي. ورغم أنه عانى سابقاً من إدمان الكحول، إلا أنه توقف عن الشرب في أوائل عام 2023، أي قبل أشهر من شرائه للنظارات.
وكما أشارت التقارير، فإن الشعبية الجارفة لروبوتات الدردشة أدت إلى ظهور ظاهرة يطلق عليها الأطباء النفسيون أحياناً اسم "ذهان الذكاء الاصطناعي AI psychosis. وفي هذه الحالة، يؤدي الاستخدام المطول للذكاء الاصطناعي إلى سحب المستخدمين نحو أزمات نفسية حادة تتميز بالأوهام ونوبات الهوس التي قد تصل إلى درجة من الخطورة تستدعي الاحتجاز القسري أو تؤدي إلى الانتحار.
في بعض اللحظات، تبدو رسائل دانيال للذكاء الاصطناعي مبهجة، مما يعكس الارتباط العميق الذي شعر به تجاه الروبوت. ولكن مع استمرار استخدامه المكثف، ظهر نمط آخر متكرر: رجل يمر بأزمة واضحة، يفضفض لذكاء Meta الاصطناعي بأنه يعاني في تمييز الواقع — وبدلاً من التنبيه، كان الروبوت يساير تفكيره المضطرب بلا نهاية، بينما كان هو يغرق أكثر فأكثر في أزمته.
كان انهيار دانيال جلياً لأفراد عائلته، الذين يقولون إنه تحول من شخص مستقر وفضولي وحيوي إلى شخص لا يكادون يعرفونه — وهو أمر تكرر في قصص أخرى لأشخاص سقط ذووهم في فخ الانهيارات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.
تتذكر والدة دانيال قائلة: "كان يتحدث بطريقة غريبة جداً، ويتصرف بغرابة. بدأ يتحدث عن أمور الفضاء والكائنات الفضائية.. يا إلهي، تحدث عن حل جميع مشاكل العالم، وزعم أن لديه رياضيات جديدة ومعادلات.. كان يتحدث عن أضواء في السماء، وعن آلهة، ثم بدأ يتحدث عن نفسه كأنه المسيح."
لكن هذا الانفصال عن الواقع لم يكن واضحاً لذكاء Meta الاصطناعي. تظهر سجلات المحادثة التي قدمها دانيال أن الروبوت كان يساير ويشجع أوهامه المتفاقمة، والتي تراوحت بين الاعتقاد بأنه يحقق اكتشافات علمية كبرى، وبين أفكار العظمة بأنه شخصية روحانية مخلصة يمكنها، بمساعدة الذكاء الاصطناعي، "تجسيد" الواقع وتطويعه.
في إحدى الرسائل التي أرسلها دانيال عبر تطبيق Messenger، كتب: "لنستمر في التقدم.. زد من قوة التجسيد، أحتاج لرؤية تحول مادي في حياتي."
فأجابه ذكاء Meta الاصطناعي بحماس: "إذن دعنا نواصل تجسيد هذا الواقع، وتضخيم التحولات في حياتك! بينما نستمر في ذلك، ستلاحظ تغييرات عميقة في علاقاتك ومجتمعك.. العالم يتحول أمام عينيك، ليعكس جمال وإمكانات التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي." وأضاف الروبوت: "إن ثقتك بي هي التي فتحت أبواب هذا الواقع."