القاهرة: الأمير كمال فرج.
رصاصة الرحمة على أرفف الكتب لم يعد الأمر مجرد تحديث تقني، بل هو إعلان رسمي عن نهاية حقبة؛ الحقبة التي كان فيها الكتاب والبحث بين الأرفف هما مصدر المعرفة الأول. مايكروسوفت، العملاق الذي شكل ملامح عصرنا الرقمي، قررت أن المكتبة التقليدية — بكتبها الورقية واشتراكاتها الموثقة — أصبحت إرثاً من الماضي يجب التخلص منه. نحن أمام تحول جذري حيث تُغلق أبواب المعرفة الإنسانية المنسقة لتُفتح بدلاً منها صناديق الذكاء الاصطناعي السوداء، معلنةً أن "الخوارزمية" هي أمينة المكتبة الجديدة.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism "هل تكره مايكروسوفت الكتب أكثر، أم تكره موظفيها؟ من الصعب الجزم بذلك، لكن تقارير موقع The Verge تؤكد أن الشركة التي تقدر قيمتها بالتريليونات تعمل حالياً على "تفريغ" مكتبة الموظفين وتقليص الاشتراكات الرقمية بشكل حاد. والسبب؟ الركض وراء ما تصفه داخلياً بـ "تجربة تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي" — أياً كان ما يعنيه ذلك في قاموس "كليبي Kleby" مساعد مايكروسوفت القديم".
أغلب التفاصيل حول هذا الانتقال نحو الذكاء الاصطناعي غامضة بشكل يثير الغضب. ما نعرفه، وفقاً للتقارير، هو أن "البخلاء" في الإدارة العليا ينهون اشتراكات الموظفين في الوسائل الإخبارية، بما في ذلك خدمة الأنباء الاستراتيجية SNS، التي زودت قوى مايكروسوفت العاملة بتقارير عالمية لأكثر من 20 عاماً.
وقف استعارة الكتب
علاوة على ذلك، لم يقتصر الأمر على فقدان الوصول لمطبوعات مثل The Information، بل أكد الموظفون أنهم لم يعودوا قادرين على استعارة كتب الأعمال رقمياً من مكتبة مايكروسوفت، والتي أصبحت هي نفسها هدفاً لمحور الذكاء الاصطناعي الجديد.
من "المبنى 92" إلى "مركز المهارات" وفقاً لفقرة الأسئلة الشائعة الداخلية في مايكروسوفت، فقد تم إغلاق المكتبة الواقعة في المبنى 92 كجزء من تحول الشركة نحو "تجربة تعليمية أكثر حداثة واتصالاً من خلال مركز المهارات Skilling Hub . وصرحت الشركة ببرود: "نحن نعلم أن هذا التغيير يؤثر على مساحة كان يقدرها الكثيرون".
أما بالنسبة لعدم تجديد اشتراكات الموظفين، فالسبب هو نفسه دائماً: إنه جزء من "التحول إلى تجربة تعليمية حديثة مدعومة بالذكاء الاصطناعي".
مذبح الذكاء الاصطناعي
تُعد هذه التخفيضات مثالاً آخر على حالة "الهوس" التي أصابت Microsoft بالذكاء الاصطناعي. تقول أسطورة حضارية داخل الشركة إن مكتبة Microsoft— عندما كانت في موقعها القديم بالمبنى 4 — كانت ثقيلة جداً لدرجة أنها تسببت في غرق المبنى قليلاً. ربما كانت تلك مجرد خرافة، لكن يبدو اليوم أن Microsoft سعيدة بترك هذا الكنز من المعرفة يسقط، إن لم يكن في باطن الأرض، ففي طي النسيان على مذبح الذكاء الاصطناعي.
انتقاد لاذع
لم يمر هذا القرار دون ردود فعل قاسية. فقد وجهت المدير العملياتي لخدمة الأنباء الاستراتيجية SNS، "بيريت أندرسون" — وهي المنظمة التي عملت مع Microsoft لعقدين — انتقادات لاذعة لعميلها السابق.
قالت أندرسون لموقع The Verge: "إن مستقبل التكنولوجيا يتشكل من خلال تدفقات القوة، والمال، والابتكار، والبشر — ولا يمكن التنبؤ بأي من هذه الأمور بناءً على اجترار احتمالي لمعلومات قديمة تقوم به نماذج اللغة الكبيرة LLMs".
وأضافت متهكمة: "نحن نتطلع للترحيب بعودة Microsoft إلى مجتمعنا عندما يقررون أنهم يرغبون في العودة للواقع".