القاهرة: الأمير كمال فرج.
هل الفضاء الذي يحيط بنا مجرد فراغ صامت؟ ورقة بحثية جديدة تطرح نظرية غريبة قد لا تكتفي بتغيير نظرتنا للعدم، بل قد تقلب موازين فهمنا للقوانين التي تحكم الكون رأساً على عقب، معيدةً صياغة تاريخ الزمكان منذ لحظة الانفجار العظيم وحتى اللحظة الراهنة، وهى : الفضاء الخارجي سائل لزج.
ذكر شارون أدارلو في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "ورقة بحثية جديدة طرحت نظرية مفادها أن الفضاء الخارجي يسلك سلوك السوائل اللزجة. وإذا ثبتت صحة هذه الفرضية، فقد تقدم تفسيراً للاختلافات والمناقضات التي نرصدها في الكون".
لا يزال الجدل محتدماً بين علماء الكونيّات حول الماهية الحقيقية لـ "فراغ" الفضاء الخارجي، رغم إيمان الكثيرين بأن المادة المظلمة والطاقة المظلمة تشكلان الجزء الأكبر من هذا الفراغ الغامض.
وفي دراسة جديدة لم تخضع بعد لمراجعة الخبراء سلط موقع Live Science الضوء عليها، طرح الباحث محمد غلام خواجة خان، من المعهد الهندي للتكنولوجيا في جودبور، نظرية مثيرة للاهتمام: أن الفضاء يشبه في طبيعته السوائل اللزجة، تماماً مثل العسل الذي يتحرك ببطء. وإذا تم تأكيد هذا النموذج -وهي "إِذا" كبيرة بكل تأكيد- فإنه قد يقطع شوطاً طويلاً في تفسير فجوات معينة أثارت حيرة العلماء وتذمرهم بشأن طبيعة الكون.
أزمة النموذج المعياري للكون
في الوقت الحالي، يعتمد الفلكيون بصفة عامة على "نموذج لمدا-المادة المظلمة الباردة" ΛCDM لتفسير كيفية حدوث الانفجار العظيم رياضياً، وكيفية تماسك المجرات بفعل المادة المظلمة، والدور الذي تلعبه الطاقة المظلمة في تسريع توسع الكون. وتُعرف كثافة طاقة الفضاء بـ "الثابت الكوني"، ويُرمز لها بالحرف اليوناني "لمدا" Λ، وتُعتبر خاصية ثابتة لا تتغير.
إلا أن البيانات الحديثة التي جمعها مسح "أداة التحليل الطيفي للطاقة المظلمة" DESI في أريزونا، و"مسح الطاقة المظلمة" في تشيلي، تشير إلى أن العلماء قد يحتاجون لتحديث هذا النموذج. فقد رصد الفلكيون تناقضات بين الملاحظات التلسكوبية ونموذج ΛCDM، تلمح إلى أن الطاقة المظلمة -التي كان يُعتقد طويلاً أنها ثابتة عبر الزمكان- قد ضعفت بمرور الوقت مع توسع الكون وتقدمه في العمر.
"الفونونات المكانية": المقاومة الخفية
تأتي نظرية "خان" كمحاولة للتوفيق بين هذا التعارض، حيث يقترح ضرورة التعامل رياضياً مع الفضاء الخارجي كأنه سائل لزج وقابل للتمدد، يحتوي على خاصية يطلق عليها "الفونونات المكانية" Spatial Phonons، وهي اهتزازات تبعثها الذرات وتخلق موجات من التوتر في نسيج الفضاء.
وتقوم النظرية على أن الطاقة المظلمة تدفع الفضاء للتوسع، لكن هذه "الفونونات" تدفع في الاتجاه المعاكس بشكل طفيف، مما يعني أن توسع الكون ليس منتظماً تماماً. وبإسقاط هذه الفكرة على أرصاد الطاقة المظلمة التي رصدها مشروع DESI، يتلاشى التناقض الذي لاحظه الفلكيون في النموذج التقليدي.
تعد هذه الفكرة جذابة لأنها تحافظ على مفهوم الطاقة المظلمة بصفتها "ثابتاً كونياً" يدفع عجلة التوسع، بينما تقدم في الوقت ذاته تفسيراً نظرياً للملاحظات الغريبة التي بدت وكأنها تنتهك هذا الثابت.
ومع ذلك، يظل الأمر مرهوناً بمزيد من البيانات القادمة من مسوح الطاقة المظلمة للتأكد مما إذا كانت هذه النظرية ستصمد أمام الاختبار، أم أنها ستنضم إلى قائمة الأفكار الغريبة التي طواها النسيان. وسنبقى بانتظار ما ستسفر عنه النتائج.