القاهرة: الأمير كمال فرج
في الوقت الذي كانت فيه الثروة قديماً ترتبط بصور البذخ والحياة الاجتماعية الصاخبة، يبدو أن الجيل الجديد من أباطرة التكنولوجيا في وادي السيليكون يتبنى نهجاً مغايراً تماماً. فبدلاً من الحفلات والمواعدة، يسود نموذج الراهب التقني الذي يضحي بكل ملذات الحياة العاطفية والاجتماعية في سبيل هدف واحد لا شريك له: بناء شركات بمليارات الدولارات.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشرته مجلة Futurism أن أباطرة المستقبل في قطاع الشركات الأمريكية، أو من يعرفون بـ شباب تكنو-بروز، لم يعودوا يعيشون حياة البذخ والمجون التي جسدتها شخصيات رواية "جتسببي العظيم". وبدلاً من ذلك، يسعى هؤلاء الطامحون إلى نوع مختلف من الرفاهية: طهارة رهبانية قوامها الامتناع الاختياري عن الملذات.
ومصطلح تكنو-بروز Tech Bros هو مصطلح عامي مركب من كلمتين: تكنو Tech اختصاراً للتكنولوجيا، و بروز Bros وهي اختصار للكلمة الإنجليزية Brothers (إخوة)، وتستخدم عادةً للإشارة إلى نوع معين من الشباب المنغمسين في ثقافة العمل التقني، والذين يتسمون بالتركيز المفرط على ريادة الأعمال والنجاح المادي السريع.
بالنسبة لماهر لاول، مؤسس شركة Velric لبرمجيات الموارد البشرية، تراجعت دوامة الجنس والرومانسية المعتادة في مرحلة الشباب أمام إشعارات تطبيق "سلاك" وجولات تمويل المشاريع. يقول لاول في مقابلة مع "بيزنس إنسايدر": (هناك شيئان فقط أهتم بهما: الصالة الرياضية وعملي. أنا مهووس بالعمل، أما حياتي العاطفية فهي في الحضيض).
ومع تزايد الضغوط لبناء "الشركة اليونيكورن" القادمة (التي تتجاوز قيمتها مليار دولار)، يوضح لاول أن معظم زملائه من رواد الأعمال هم في نفس القارب؛ حيث يعيشون نمط حياة لا يترك مجالاً كبيراً للرومانسية، سواء كانت عابرة أو جادة.
تكلفة الفرصة البديلة
تقول آني لياو، مؤسسة شركة Build Club المتخصصة في تعليم الذكاء الاصطناعي: (تكلفة الفرصة البديلة مرتفعة للغاية. كل ليلة تقضيها في الخارج هي وقت ضائع كان من الممكن استثماره في بناء شركتك). وأضافت أن شركاءها في السكن بمدينة سان فرانسيسكو يتبنون النهج ذاته، معتبرة أن تطبيقات المواعدة تشكل "تشتيتاً هائلاً" لنخبة أثرياء أمريكا الجدد.
أما أولئك الذين خاضوا تجربة المواعدة، فيؤكدون أنهم فعلوا ذلك قبل دخول عالم التأسيس وبناء الشركات بفترة طويلة. والآن، يبدو أن علاقاتهم المستمرة منذ أمد بعيد باتت مفيدة في عالم الأعمال. يرى يانغ فان يون، المؤسس المشارك لشركة Composite: (الارتباط بعلاقة يساعد حقاً في بناء الشركة). يروي يون أنه التقى بصديقته الحالية في بداية دراسته بجامعة ستانفورد، والآن يجدها شريكة داعمة تساعده حتى في مهام تقنية مثل اختبار المنتجات.
ويعقب لاول على ذلك قائلاً: (لطالما سمعنا مقولة "وراء كل رجل عظيم امرأة"، لذا بدلاً من البحث عن علاقات عابرة، أميل للبحث عن شريكة حياة، لكن الأمر أصبح في غاية الصعوبة).
الزهد في سبيل المال
لا يقتصر التميز السلوكي لمؤسسي شركات التكنولوجيا عن أقرانهم على "العفة الممنهجة" بدافع الطمع في النجاح، بل تمتد هذه الدوافع لتغذي حركات أخرى مزدهرة بينهم، مثل الإقلاع التام عن الكحول والتعامل مع الطعام كـ "وقود حيوي" بحسابات سريرية دقيقة.
في نهاية المطاف، يبدو أنها صفقة غريبة يعقدها "روكفلرز" القرن الحادي والعشرين؛ ففي سعيهم المحسوب نحو الثروة والمكانة، تخلوا عن ذات الملاذات التي كانت يوماً ما رمزاً للحياة في القمة. وهذا يطرح سؤالاً بديهياً لنا نحن القابعين في الأسفل: إذا كان هذا هو شكل "الحياة الرغيدة"، فما الجدوى منها إذن؟