القاهرة: الأمير كمال فرج.
يشهد العالم اليوم تحولاً جذرياً غير مسبوق في بنية الاقتصاد العالمي، تقوده ثورة الذكاء الاصطناعي التي لم تعد مجرد وعود تقنية للمستقبل، بل واقعاً ملموساً يعيد تشكيل مفهوم "الوظيفة" وقيمة الجهد البشري. وفي الوقت الذي يتسابق فيه قادة الأعمال والشركات التكنولوجية الكبرى لجني ثمار الأتمتة وزيادة معدلات الإنتاجية، يجد ملايين الموظفين أنفسهم أمام تحدٍ وجودي يهدد استقرارهم المهني ومستقبلهم المعيشي.
ذكر جو ويلكنز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن " سوق العمل في الولايات المتحدة يمر بفترة عصيبة؛ حيث تشهد معدلات البطالة ارتفاعاً ملحوظاً في ظل ركود الأجور. ورغم الجدل المحتدم حول حجم المسؤولية التي يتحملها الذكاء الاصطناعي تجاه هذا الوضع المتردي، إلا أن هناك حقيقة لا تقبل الشك: العمال يزدادون سخطاً تجاه هذه التقنية، التي يرون أنها تقوض ما تبقى لهم من أمان وظيفي".
ونتيجة لذلك، بدأ القلق يتسرب إلى قادة الأعمال خوفاً من ردود الفعل العنيفة، حتى وهم يتغنون بـ "ثورة الذكاء الاصطناعي" القادمة.
استهلت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة للصندوق النقد الدولي حديثها في قمة الصندوق بمدينة دافوس، بوصف الذكاء الاصطناعي بأنه "عامل رئيسي للنمو الاقتصادي". ومع ذلك، لم تخلُ كلماتها من نبرة القلق".
وقالت: "نتوقع إمكانية تعزيز النمو بنسبة تصل إلى 0.8% خلال السنوات القادمة، لكن الذكاء الاصطناعي يضرب سوق العمل بقوة تشبه التسونامي، ومعظم الدول والشركات غير مستعدة لمواجهته".
تأتي هذه التصريحات المتوجسة بعد عام حافل بإنهاء الخدمة الجماعي وتباطؤ التوظيف، حيث استشهدت الشركات الكبرى بالذكاء الاصطناعي كسبب رئيسي. ففي سبتمبر الماضي، صرح مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة Salesforce، بأنه استغنى عن 4000 وظيفة في دعم العملاء لأنه بات "بحاجة إلى عدد أقل من الموظفين" بفضل الأتمتة.
وفي أكتوبر، أطلقت أمازون أكبر جولة تسريحات في تاريخها، حيث ألغت 14000 وظيفة مكتبية، مشيرة إلى الذكاء الاصطناعي كعامل محوري في هذا القرار.
لا ينبغي أن يتفاجأ هؤلاء القادة من تنامي غضب المواطن العادي تجاه السردية التي تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يسرق الوظائف. فقد كشف تقرير "اتجاهات المواهب العالمية 2026" الصادر عن شركة Mercer للتحليلات، والذي سلطت قناة CNBC الضوء عليه، أن المخاوف المتعلقة بفقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي قد قفزت من 28% في عام 2024 إلى 40% في عام 2026.
كما أظهر بحث الشركة أن 62% من الموظفين يشعرون بأن قادتهم يسيئون تقدير التأثير النفسي والعاطفي للذكاء الاصطناعي. ولهم الحق في ذلك؛ فقد أمضى التنفيذيون العام الماضي في التفاخر بالثورة المزعومة للذكاء الاصطناعي، وهي خطابات استخدموها لجذب استثمارات ضخمة غيرت ملامح الاقتصاد الأمريكي بشكل جذري.
وفي المقابل، لا يمكن لوم العمال على استيعاب هذه الرسالة وتوجسهم منها؛ ففي ظل الاقتصاد الحالي، يبدو أنهم الطرف الوحيد المطالب بدفع الثمن.