القاهرة: الأمير كمال فرج.
بينما يتحول الذكاء الاصطناعي في الأروقة الإدارية العليا إلى ما يشبه "البقرة المقدسة" التي يُمنع التشكيك في قدراتها الإعجازية، يصطدم الموظفون على أرض الواقع بآلة لا تتقن سوى تبديد الوقت.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "استطلاع جديد للرأي يسلط الضوء على الانقسام الحاد في الرؤى بين الموظفين العاديين ورؤسائهم حول تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ فبينما يغرق الموظفون في تفاصيل العمل اليومي، يبدو أن رؤساء العمل يفترضون تلقائياً أن الذكاء الاصطناعي هو المنقذ المنتظر".
إن انفصال المدراء عن احتياجات موظفيهم قصة قديمة قدم الزمن، لكن يبدو أن هوس الذكاء الاصطناعي دفعهم للاعتصام داخل أبراج عاجية أكثر علواً؛ حيث يروجون للموظفين بأن هذه التقنية ستجعل مهامهم أيسر، في الوقت الذي تُستخدم فيه ذات التقنية كذريعة لاستبدالهم.
أظهرت نتائج استطلاع أجرته شركة الاستشارات Section، وشمل 5000 موظف من ذوي الياقات البيضاء، اتساع الفجوة التقنية بين القادة والمرؤوسين؛ إذ أكد 40% من الموظفين غير الإداريين أن الذكاء الاصطناعي لا يوفر لهم أي وقت على مدار الأسبوع، بينما لم تتجاوز نسبة من قالوا إنه يوفر أكثر من 12 ساعة سوى 2% فقط.
وعلى النقيض تماماً، نجد القادة والمدراء التنفيذيين في حالة من التفاؤل المفرط؛ حيث ذكر 2% فقط منهم أن التقنية لا توفر وقتهم، بينما أكد 19% أنها توفر لهم أكثر من 12 ساعة أسبوعياً.
وفي هذا السياق، صرح ستيف مكغارفي، مصمم تجربة المستخدم، لصحيفة Wall Street Journal، بأن المدراء يفترضون أن الذكاء الاصطناعي هو المخلص. واستشهد بتجربته الشخصية مع نماذج اللغات الكبيرة التي تسببت في عرقلة عمله المتخصص في تيسير وصول ذوي الإعاقة البصرية للمواقع الإلكترونية، قائلاً: "لا يمكنني إحصاء المرات التي بحثت فيها عن حل لمشكلة تقنية عبر الذكاء الاصطناعي، ليعطيني إجابات خاطئة تماماً".
وبعيداً عن موجات التسريح الجماعي التي تبررها الشركات بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، يجد الموظفون الباقون أنفسهم مجبرين على استخدام أدوات تجريبية قد لا تناسب طبيعة أدوارهم، وسط تجاهل تام لشكاواهم.
هذا "التبشير التقني" ينتشر كالنار في الهشيم بين قادة كبرى الشركات العالمية؛ فعلى سبيل المثال، نُقل عن جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيدياً، قوله لموظفيه إنهم سيكونون "مجانين" إذا لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي في كل مهمة ممكنة، وذلك رداً على تقارير تفيد بأن بعض مديريه اقترحوا تقليل استخدامه. وبالمثل، تفاخر قادة Microsoft وGoogle بأن جزءاً كبيراً من أكوادهم البرمجية بات يُكتب بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وكشف الاستطلاع أيضاً عن حالة من القلق تسود أوساط الموظفين؛ حيث أعرب ثلثاهم عن شعورهم بالارتباك تجاه هذه التقنية، مقابل أقل من نصف المدراء. وفي تضاد صارخ، أبدى 75% من التنفيذيين حماساً منقطع النظير.
وحتى الآن، لم يُحسم الجدل حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعزز الإنتاجية حقاً، بل تشير أبحاث متزايدة إلى أنه ليس "المعجزة" التي يروج لها الرؤساء التنفيذيون؛ إذ كشفت دراسة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT أن 95% من الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي لم تحقق نمواً ملموساً في الإيرادات، ربما لأن أدوات الذكاء الاصطناعي تفشل غالباً في إنجاز المهام المكتبية الروتينية، أو لأن المساعدين البرمجيين يقللون في الواقع من سرعة المبرمجين.
تكمن جزء من المشكلة في عدم وضوح جدوى الذكاء الاصطناعي؛ حيث أوضح مهندس تجربة المستخدم، دان هيستر، أن مهمة برمجية كان من المفترض أن تستغرق نصف ساعة استهلكت منه ظهيرة كاملة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وفي تناقض واضح أنجز مهمة أخرى كانت تتطلب أياماً في 20 دقيقة فقط، مؤكداً أن التقنية أحدثت ارتباكاً كاملاً في تقدير الوقت اللازم للمهام.
يبقى التساؤل قائماً: هل يظن الرؤساء التنفيذيون أن الذكاء الاصطناعي يوفر الوقت لأن وظائفهم هم -أكثر من غيرهم- هي التي يمكن استبدالها بسهولة بهذه التقنية؟