القاهرة: الأمير كمال فرج.
في مشهد يختزل الفجوة الرقمية التي ابتلعت براءة الطفولة، لم يعد "تقليب الصفحات" مهارة فطرية لدى صغارنا. فبينما كان الكتاب يوماً هو النافذة الأولى للطفل على العالم، بات أطفال اليوم يقفون حائرين أمام الورق، يحاولون بعبثية "تمرير" الصفحات بأصابعهم وكأنهم يلمسون شاشات هواتفهم الذكية.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "استطلاع جديد حول "الجاهزية المدرسية" كشف عن نتائج صادمة؛ حيث أفاد المعلمون بأن نسبة مخيفة من الأطفال الذين بدأوا مسيرتهم الدراسية لا يملكون أدنى فكرة عن كيفية التعامل مع الكتاب الورقي".
ظاهرة "أطفال الآيباد" وتحدي الورق
أظهرت الدراسة التي أجرتها مؤسسة Kindred Squared الخيرية في المملكة المتحدة، وشملت كوادر التدريس في المدارس الابتدائية، أن المعلمين يقدرون أن ما يقرب من ثلث الطلاب في الصفوف التمهيدية لا يعرفون الطريقة الصحيحة لاستخدام الكتب. وبحسب تقرير شبكة Sky News، وصل الأمر ببعض الأطفال إلى محاولة "سحب" أو "نقر" الصفحات الورقية بأصابعهم، تماماً كما يفعلون مع شاشات الهواتف الذكية.
قد يبدو الأمر عصياً على التصديق، لكنها ليست المرة الأولى التي نسمع فيها عن هذه الظاهرة الغريبة. يفرق الباحثون هنا بين "استخدام" الكتاب وبين القدرة على القراءة؛ حيث يركز المفهوم على المهارة البديهية في تقليب الصفحات بدلاً من محاولة التفاعل معها كشاشة لمس. ورغم أن 44% من أولياء الأمور يعتقدون أن هذه مهارة بديهية يجب أن يتقنها الطفل، إلا أن الواقع ـ وفقاً لشهادات 1000 معلم شملهم الاستطلاع ـ يؤكد أن 28% من الأطفال يفتقرون إليها.
ولم يتوقف الأمر عند الكتب؛ فقد أشار المعلمون أيضاً إلى أن ربع الأطفال تقريباً غير مدربين على استخدام المرحاض، ولا يستطيعون الأكل أو الشرب بمفردهم.
انعكاسات إدمان الشاشات
تعد هذه النتائج مرآة قاتمة لكيفية هيمنة الهواتف الذكية على حياتنا، وتزيد من حدة المخاوف بشأن تأثير "وقت الشاشة" على نمو الطفل. فالآباء أنفسهم يعانون من إدمان أجهزتهم، وينقلون هذه العادات السيئة إلى أطفالهم، مما خلق أجيالاً كاملة ممن يُطلق عليهم "أطفال الآيباد".
وقد وثقت الدراسات العلمية هذا الارتباط الخطيرفي التالي:
اضطراب نقص الانتباه: كشفت دراسة تتبعت مراهقين على مدار أربع سنوات عن وجود صلة قوية بين وقت الشاشة وتشخيصات اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD).
تأخر المهارات التنموية: أظهرت دراسة أجريت عام 2023 أن الأطفال في سن الرابعة أو أقل الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات هم أكثر عرضة للفشل في تحقيق أهداف نمو أساسية، تشمل المهارات اللغوية، والاجتماعية، والمهارات الحركية الدقيقة.
التنظيم العاطفي والصحة البدنية: ربطت أبحاث أخرى بين استخدام الشاشات لدى الصغار وبين مشاكل طويلة الأمد في تنظيم العواطف، بالإضافة إلى زيادة مخاطر السمنة، والحرمان من النوم، والاكتئاب.
دخول الذكاء الاصطناعي على الخط
في الوقت الذي تضخ فيه شركات التقنية الكبرى الملايين لإدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدارس، تبرز أبعاد جديدة للمخاطر؛ حيث بدأ العديد من الأطفال والمراهقين في تكوين "علاقات" مع رفقاء افتراضيين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي. بل إن بعض الآباء باتوا يسكتون أطفالهم عبر السماح لهم بالتحدث مع "وضع الصوت" في برامج الدردشة الآلية لساعات متواصلة.
دفعت هذه المخاوف المتزايدة بعض المدارس إلى حظر الهواتف الذكية تماماً. ورغم تأكيد المعلمين أن هذه الإجراءات حسّنت الحالة المزاجية داخل الحرم المدرسي، إلا أنهم يظلون عاجزين عن التحكم في كيفية سماح الآباء لأطفالهم باستخدام هذه الأجهزة في المنازل، وهو ما تجلى بوضوح في نتائج الاستطلاع الأخير.