القاهرة: الأمير كمال فرج.
على مدار عقود، كانت شركات التكنولوجيا العالمية تعتمد بشكل هائل على القوى العاملة الضخمة في الهند؛ بدءًا من موظفي مراكز الاتصال المبتدئين، وصولًا إلى مهندسي البرمجيات والقيادات الإدارية العليا. لكن مع حلول عام 2026، ومع بزوغ فجر الذكاء الاصطناعي المتقدم، يواجه عمال التكنولوجيا في الهند واقعًا مغايرًا وقاسيًا؛ حيث سارعت الشركات لتقليص التوظيف بشكل حاد، مدفوعة بطموح استبدال البشر بالكامل بالأنظمة المؤتمتة.
ذكر فيكتور تانغرمان في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "تقرير نشره موقع Rest of World، كشف تصاعد القلق من هيمنة الذكاء الاصطناعي، وإن ظروف العمل القاسية التي تصل إلى 90 ساعة أسبوعيًا، قد أحدث دمارًا نفسيًا شاملاً بين الموظفين. ورغم صعوبة تحديد سبب منفرد، إلا أن موجة الانتحار المقلقة التي اجتاحت أوساط العاملين في قطاع التكنولوجيا تسلط الضوء على بيئة عمل غير مستدامة بالمرة".
وما يزيد المشهد تعقيدًا هو غياب البيانات الحكومية الواضحة حول هذه الوفيات المأساوية. ورغم صعوبة الجزم بما إذا كانت هذه الحالات أكثر انتشارًا بين موظفي تكنولوجيا المعلومات تحديدًا، إلا أن الخبراء أكدوا للموقع أن وضع الصحة النفسية في هذا القطاع بات في مرحلة الخطر الشديد.
شبح الاستغناء وعدم اليقين
يرى البروفيسور جايانتا موكوبادياي، أستاذ علوم الكمبيوتر في المعهد الهندي للتكنولوجيا، أن احتمال تحول المسارات المهنية إلى "وظائف فائضة عن الحاجة" بسبب الذكاء الاصطناعي يعد المحرك الرئيسي للتوتر، حيث يعيش العمال حالة من "عدم اليقين الهائل" بشأن مستقبلهم الوظيفي.
وبينما تتعدد أسباب تقليص الوظائف في دول مثل الولايات المتحدة، يشير الخبراء إلى أن الوظائف المبتدئة هي الأكثر عرضة للخطر. وقد كان قطاع تكنولوجيا المعلومات في الهند هشًا بشكل خاص أمام هذه الموجة، حيث تتسابق الشركات للاستثمار في الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف عبر استبدال موظفي خدمة العملاء بأنظمة ذكية.
يقول أديتيا فاشيسثا، الأستاذ المساعد في جامعة كورنيل: "الدور الاستشاري التقليدي في قطاع الخدمات سيتأثر بشكل أكبر بكثير من شركات تطوير المنتجات التقليدية".
فجوة التوظيف والعزلة القاتلة
في المقابل، لا تزال المؤسسات التعليمية في الهند تضخ آلاف الخريجين سنويًا، مما يفاقم الأزمة مع ندرة الفرص المتاحة. وقد قام أكبر صاحب عمل في القطاع الخاص في الهند بتسريح ما يقرب من 20 ألف موظف أواخر العام الماضي، وهو ما يعد مؤشرًا على اتجاه أوسع وأخطر.
أما أولئك الذين نجوا من مقصلة التسريح، فيخضعون لضغوط هائلة لمواصلة الابتكار، ويجد الكثير منهم صعوبة في الفصل بين حياتهم المهنية والشخصية. ساعات العمل الممتدة، والعزلة الناتجة عن العمل على مدار الساعة عبر مناطق زمنية مختلفة، لم تؤدِ إلا إلى تفاقم تدهور حالتهم النفسية.
الثمن الإنساني للتطور
إن التهديد المستمر بفقدان القيمة المهنية أمام الذكاء الاصطناعي دفع العديد من العمال إلى حافة الهاوية، وفي بعض الحالات المأساوية، دفعهم لتجاوزها. هذا التوجه المرعب يسلط الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة لعمليات التسريح الجماعي والتحولات التكنولوجية الكبرى التي تعيد صياغة الأدوار الوظيفية.
أرباب العمل في الهند، تمامًا كقرنائهم في الولايات المتحدة، محاصرون في معركة شرسة للتكيف مع "نظام عالمي جديد" يفرضه الذكاء الاصطناعي، فإما التكيف أو الفناء. ومع ذلك، لا تبدو آفاق التوظيف في هذا القطاع واعدة.
ختامًا، يلخص سوراب موكيرجيا، مؤسس شركة Marcellus Investment Managers، المشهد القادم في تصريح لشبكة CNBC: "إن عدد البشر المطلوبين للعمل في خدمات تكنولوجيا المعلومات في عالم الذكاء الاصطناعي سيكون أقل بمراحل ضخمة مما نحن عليه الآن".