القاهرة: الأمير كمال فرج.
تمثل بدلة الفضاء الذروة التي وصل إليها العقل البشري في هندسة البيئات المصغرة، فهي ليست مجرد رداء يرتديه المغامرون، بل هي أصغر مركبة فضائية في العالم صُممت خصيصاً لتكون حصناً منيعاً يفصل بين جسد الإنسان وهلاك الفضاء المحتم.
في بيئة تخلو من الأكسجين، وتتأرجح درجات حرارتها بين الغليان والتجمد، وتخترقها الإشعاعات والجسيمات الدقيقة، تبرز هذه البدلة كمنظومة معقدة توفر الضغط، والتنفس، والتواصل، والحماية. إنها المعجزة التقنية التي تحول رائد الفضاء من كائن عاجز في فراغ كوني إلى مستكشف قادر على المشي فوق أسطح الأجرام السماوية، متحدياً بذلك قوانين الطبيعة التي لم تُهيئ البشر للعيش خارج حدود الغلاف الجوي الأرضي.
ذكر فيكتور تانجرمان في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "وكالة "ناسا" تستعد لأول رحلة مأهولة إلى القمر منذ أكثر من نصف قرن، وهي مهمة قد تنطلق في غضون أسبوعين فقط. وتتزايد التحديات مع اقتراب مهمة Artemis 3 العام المقبل، والتي تهدف لإعادة الرواد إلى سطح القمر؛ حيث يبرز التحدي الأكبر في حماية الرواد من الإشعاع والتقلبات الحرارية، والأهم من ذلك: البدلة التي سيرتدونها.
تكمن المفارقة الكبرى في البدلة التي تطورها شركة Axiom Space في وزنها الهائل الذي يصل إلى 300 رطل (ما يعادل 136 كيلوغراماً تقريباً). ورغم أن الجاذبية القمرية (التي تعادل سدس جاذبية الأرض) ستخفف من وطأة هذا الثقل، إلا أن الكتلة تظل تشكل "إجهاداً بدنياً شديداً" على الرواد.
وأعربت رائدة الفضاء السابقة كيت روبنز عن قلقها البالغ، محذرة من أن الرواد سيقضون "8 أو 9 ساعات" يومياً داخل هذه البدلات للقيام بمهام خارجية، وهو ما يتجاوز بكثير المجهود البدني المطلوب في محطة الفضاء الدولية.
مقارنة تاريخية: أفضل من أبولو.. ولكن
عند مقارنة بدلة رواد الفضاء الآن ببدلات مهمات "أبولو" القديمة، تظهر المفارقة في تضارب المزايا:
الوزن: بدلة "أكسيوم" أثقل بكثير من سابقاتها.
المرونة: توفر البدلة الجديدة مرونة غير مسبوقة، تسمح للرواد بالركوع لالتقاط العينات، وهو أمر كان شبه مستحيل سابقاً.
المخاطرة: حذرت "روبنز" من أن الرواد سيتعرضون للسقوط حتماً، وأن عملية النهوض تتطلب مناورة خطيرة تشبه "تمرين الضغط مع القفز"، وهو جهد غير يستهان به في بيئة القمر.
تباين الآراء داخل "ناسا"
بينما يرى البعض أن البدلة لا تزال تعاني من "مشاكل في المرونة" وقد ترهق مستخدميها، يتبنى آخرون وجهة نظر أكثر تفاؤلاً. يقول رائد الفضاء مايك بارات إن البدلة "تتحسن باستمرار"، مشيراً إلى خضوعها لأكثر من 700 ساعة من الاختبارات تحت الضغط، مؤكداً أن عملية الانحناء بداخلها أصبحت "ليست سيئة على الإطلاق".
وتواصل "ناسا" اختبار البدلة عبر رحلات الطيران المكافئ (التي تحاكي الجاذبية الجزئية) والاختبارات المائية، في سباق مع الزمن لاعتماد التصميم النهائي قبل مهمة الهبوط التاريخي المنتظرة.