القاهرة: الأمير كمال فرج.
لفترة طويلة، كان الاعتقاد السائد أن التعليم الجامعي هو "الحصن المنيع" ضد تقلبات السوق. لكن عام 2026 يثبت عكس ذلك؛ فالذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليكون أداة مساعدة للطالب فحسب، بل جاء ليعيد تعريف "القيمة" التي تقدمها الجامعة.
ذكر جو ويلكنز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "مصطلح الذكاء الاصطناعي حتى قبل أن يصبح جزءاً من النشرات الإخبارية المسائية، كان نموذج التعليم العالي الجامعي يعاني بالفعل".
ففي الفترة ما بين عامي 2010 و2022 العام الذي ظهر فيه ChatGPT، انخفضت معدلات الالتحاق بالجامعات في الولايات المتحدة بنسبة تقارب 15%. وأدت الاقتطاعات في التمويل الحكومي إلى إلقاء عبء التكاليف الباهظة على كاهل الطلاب، مما دفع الكثيرين للتساؤل: هل يستحق التعليم الجامعي حقاً كل هذا الاستثمار الضخم؟.
عندما اقتحمت روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي المشهد، تحول الوضع السيئ إلى كابوس حقيقي. إذ يكتشف الخريجون الجدد الآن أن شهاداتهم تكاد تكون بلا قيمة في ظل واحد من أسوأ أسواق العمل في التاريخ الحديث".
تصف ألينا مكمان، الخريجة حديثاً من جامعة بيتسبرغ، سوق عمل يفتقر حتى إلى أبسط الفرص. فبعد تقديمها على نحو 150 وظيفة بدوام كامل، لم تتلقَ سوى ردود تفيد بإلغاء الوظائف المعروضة. وقالت في مقابلة مع مجلة New York: أعلم أن هذه الأرقام قد تبدو ضئيلة في ظل الظروف الحالية، لكن الأمر محبط للغاية.
وتشير أحدث البيانات الصادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أن معدل البطالة بين الخريجين الجدد يصل إلى 5.8%، وهو أعلى بنسبة 1.7% من متوسط البطالة بين القوى العاملة بشكل عام. كما أن الخريجين الجدد يواجهون معدل بطالة يعادل ضعف المعدل المسجل لجميع خريجي الجامعات الذي يبلغ 2.9%.
يأتي ذلك في وقت بدأت فيه الشركات الكبرى بتقليص مسارات التوظيف التقليدية مثل برامج التدريب الداخلي. ويوضح سايمون كو، المدير السابق لبرامج المسار المهني المبكر في مؤسسة Raymond James Financial، أن الذكاء الاصطناعي قد قلب الحسابات المالية المتعلقة بتوظيف وتدريب المواهب الشابة رأساً على عقب.
وبلغة الأرقام، أشار "كو" إلى أن الخريج الجديد كان يحتاج إلى نحو 18 شهراً حتى "يعوض" الوقت والموارد التي استُثمرت في تدريبه. وفي تلك المرحلة، يبدأ الخريجون عادة بالبحث عن خطوتهم التالية في مسارهم المهني، مما يخلق تحديات للموارد البشرية ويدفع لطرح تساؤلات صعبة: أين نجد القيمة المضافة؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل هذه المشكلة بدلاً عنا؟.
تتسبب كل هذه العوامل في تدمير الصورة الذهنية لـ "العائد على الاستثمار" من التعليم الجامعي، وهو ما أدى بدوره إلى انكماش أعداد الطلاب، خاصة في التخصصات التقنية مثل علوم الحاسوب. ببساطة، إذا لم يحصل الخريجون على خبرة عملية أثناء دراستهم، فإن فرصهم في العثور على وظيفة في مجال تخصصهم تتضاءل بشدة، في حين تزداد الشركات تردداً في تحمل أعباء التدريب.
ويرى ريان كريج، مؤلف كتاب "أمة المتدربين"، أن الكليات والجامعات تقف الآن أمام أزمة وجودية، محذراً من ضرورة إيجاد وسيلة لدمج خبرات العمل الميدانية والمدفوعة الأجر لكل طالب، بل وربما توفير تجارب عمل متعددة قبل التخرج.