القاهرة: الأمير كمال فرج.
بينما ننام بسلام تحت أضواء مدننا الصاخبة، هناك كائن معدني وحيد يصارع الصمت المطلق والبرودة القاتلة على بعد ملايين الكيلومترات. في عالمٍ تهبط فيه الحرارة إلى مائة درجة تحت الصفر، وحيث يمتد الظلام ليرسم حدوداً بين الوجود والعدم، لا يكسر هيبة ليل المريخ إلا وهجٌ خافت منبعث من ذراع آلي دؤوب. ليست هذه لقطة من فيلم خيال علمي، بل هو الواقع المرعب والساحر الذي يعيشه الروبوت "كيوريوسيتي"، والذي كشفت لنا صورته الأخيرة أن للكون وجهاً قد لا نجرؤ على تأمله طويلاً دون أن نشعر برعشة في أعماقنا.
ذكر فيكتور تانغرمان في تقرير نشرته مجلة Futurism إن " طول الليل على الكوكب الأحمر لا يختلف كثيراً عن كوكبنا؛ إذ يستمر لأكثر من 12 ساعة بقليل في المتوسط. وبسبب ميل محور المريخ المشابه للأرض، فإنه يختبر أيضاً ليالي شتوية طويلة وصيفية قصيرة. لكن العتمة هناك موحشة لدرجة لا تُوصف، حيث تهوي درجات الحرارة إلى قرابة 100 درجة تحت الصفر بالقرب من خط الاستواء. ومع غياب أي مصدر للضوء الاصطناعي، تلمع السماء المرصعة بالنجوم والكوكبات المألوفة لنا، لترسم لوحة كونية وسط صمت مطبق".
كشافات في قلب العتمة الأبدية
تقنياً، لا يسود الظلام الدامس كافة أرجاء الكوكب؛ فالروبوت الجوال Curiosity التابع لوكالة ناسا، والذي يجوب تضاريس المريخ المهجورة منذ قرابة 14 عاماً، مزود بمصابيح LED مثبتة في نهاية ذراعه الآلية، مما يمنحه القدرة على شق طريق من الضوء وسط تلك العتمة التي لا تنتهي.
وفي هذا السياق، كشفت صورة التقطت في 6 ديسمبر ونشرتها "ناسا" مؤخراً، عن مشهد مهيب؛ حيث تسلط أضواء الروبوت وهجها على حفرة حفرها في صخرة أطلق عليها العلماء اسم Nevado Sagama. الصورة تعطي انطباعاً مرعباً لبيئة فضائية غريبة، وهي تذكير صارخ بالظلام الحالك الذي يتوجب على هذا الروبوت الوحيد مواجهته بينما ينقب عن آثار حياة قديمة.
عيون تقنية تخترق الظل
تعد الكاميرا المستخدمة، المعروفة بـ Mars Hand Lens Imager، واحدة من 17 كاميرا يحملها الروبوت، وهي قادرة على التقاط صور بألوان حقيقية وبدقة (1600 × 1200 بكسل). وتتميز هذه الكاميرا بوجود مصابيح LED بيضاء وأخرى فوق بنفسجية UV، ما يتيح لها الرؤية والتصوير الليلي بوضوح.
استخدام هذه الأضواء ليس مجرد استعراض تقني؛ بل يوضح علماء ناسا أنهم يستخدمون هذه المصابيح لإضاءة مناطق تظل "غارقة في الظل خلال النهار"، مثل الأجزاء الداخلية لثقوب الحفر وأنابيب الإدخال التي تقود إلى الأجهزة العلمية في "بطن" الروبوت.
عودة إلى التفاصيل الدقيقة
في السابق، استُخدمت هذه الأضواء لفحص طبقات الصخور لفهم تركيبها بشكل أفضل. ومع ذلك، اضطر "كيوريوسيتي" لتغيير أسلوب الحفر في عام 2018 بسبب مشكلات تقنية، مما جعل الثقوب الناتجة "خشنة ومتربة" لدرجة تمنع رؤية التفاصيل الدقيقة.
لكن الحفرة التي حفرها الروبوت في 13 نوفمبر الماضي — وهو اليوم المريخي رقم 4740 لمهمته — كانت "ناعمة بما يكفي" لتعيد للعلماء الأمل في دراسة طبقاتها الصخرية.
الصورة التي التقطت بعد ذلك بأسابيع، مكنت الفريق من فهم طبيعة الصخور في منطقة مليئة بالتكوينات الجيولوجية المعروفة بـ "الصندوقية" boxwork. ولزيادة منسوب الرعب، فإن هذه التكوينات تبدو من الفضاء وكأنها خيوط عنكبوت عملاقة تغطي السطح؛ وكأن ليل المريخ الموحش كان يحتاج لمزيد من الأسباب ليثير فينا الرهبة.