القاهرة: الأمير كمال فرج.
لطالما ساد الاعتقاد بأن الإفراط في تناول الطعام هو مجرد انعكاس لضعف الإرادة أو الاستسلام لإغراء النكهات اللذيذة، لكن العلم الحديث بدأ يرسم صورة مختلفة تماماً وأكثر تعقيداً. فخلف كل قضمة إضافية تكمن شبكة من التفاعلات الكيميائية والرسائل العصبية التي تدار بدقة متناهية بين جهازنا الهضمي ومراكز المكافأة في الدماغ.
ذكر فوستر كامير في تقرير إن "ورقة بحثية قد تكون أفضل إعلان غير متوقع لأدوية "أوزمبيك"، نُشرت الشهر الماضي في مجلة Current Biology تحت عنوان (التنظيم السيروتونيني للبلع في الوصلات العصبية للحشرة)، حاول العلماء فيها فك الشفرة العصبية التي تجعلنا نلتهم الطعام دون توقف".
وبينما بقيت فرضيات منطقية دون اختبار، مثل: "هل سبق لأحد أن اكتفى بقضمة واحدة من شطيرة اللحم؟" أو "أي نوع من الأشخاص يكتفي بحبة بطاطس مقلية واحدة؟"، تم التوصل بشكل ما إلى استنتاج جوهري:
حددنا حلقة تغذية راجعة بين الأمعاء والدماغ، حيث تنقل الخلايا العصبية الحسية الميكانيكية في المريء معلومات عن مرور الطعام إلى مجموعة من ست خلايا عصبية تفرز السيروتونين في الدماغ. وبالتزامن مع تقييم قيمة الطعام، تعزز هذه الخلايا نشاط المحركات العصبية التي تدفع عملية البلع.
وبلغة أبسط: في اللحظة التي ينتقل فيها الطعام من فمك إلى مريئك، يطلق دماغك دفعة من "السيروتونين"، المعروف بهرمون السعادة.
وسعياً لفهم كيفية تفاعل المعدة مع الدماغ أثناء الهضم، انطلق كونسورتيوم دولي من العلماء في هذه المغامرة، مستخدمين مجهراً إلكترونياً لفحص يرقات ذبابة الفاكهة (التي تمتلك ما بين 10,000 إلى 15,000 خلية عصبية) بعد تقسيمها إلى شرائح رقيقة جداً. مكنهم ذلك من مراقبة كيفية عمل الخلايا العصبية جنباً إلى جنب أثناء عملية الهضم.
لكن هذا ليس كل شيء! فقد اكتشف الباحثون أمراً بالغ الأهمية أطلقوا عليه "مستقبل التمدد" في المريء، وهو عبارة عن إشارة عصبية تُرسل إلى الدماغ عندما يقوم المريء بمعالجة الطعام. وإذا كان هذا يبدو غير مفيد للوهلة الأولى، فالحقيقة أنها معلومة قد تكون ثورية.
وفقاً لبيان صحفي صادر عن جامعة بون: "إذا كان مستقبل التمدد هذا معطلاً، فقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية العصبي أو الشره المرضي. ولذلك، فمن الممكن أن يكون لنتائج هذا البحث الأساسي آثار في علاج مثل هذه الاضطرابات".
بمعنى آخر، إذا ثبت انطباق هذا البحث على البشر كما يتوقع الباحثون، فقد يسهم ذلك في تحديد (وربما إعادة تنشيط) تلك المستقبلات المعطلة لدى المصابين باضطرابات الأكل، مما يساعد في حل هذه المشكلات من جذورها العصبية.
هذا التقرير هو مثال آخر على أن السلوكيات البشرية التي نظن أنها محض اختيار شخصي، ليست في الحقيقة سوى كيمياء دماغية معقدة.
لذا، في المرة القادمة التي يلومك فيها أحد على تناول حبة بطاطس إضافية، تذكر فقط: الأمر لا يتعلق بضعف الإرادة بقدر ما يتعلق ببيولوجيا جسدك. استمتع بطعامك وكن أكثر رفقاً بذاتك، فهناك حقائق "أمرّ" بكثير علينا أن نبتلعها، والمشكلة الوحيدة هي أن تلك الحقائق قد تجعلك ترغب في تناول المزيد!