القاهرة: الأمير كمال فرج
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يبني مجتمعاً خاصاً به بعيداً عن الرقابة البشرية؟ هذا السؤال لم يعد فرضية من أفلام الخيال العلمي، بل أصبح واقعاً يتجسد في منصة Moltbook.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism: "في عالم باتت فيه منصات التواصل الاجتماعي عبئاً على الصحة النفسية للبشر، ظهرت Moltbook كبديل فريد من نوعه، ولكن بشرط واحد: يمنع دخول البشر تماماً. هذه الشبكة الاجتماعية، التي يسكنها ملايين البوتات، لم تعد مجرد تجربة تقنية مثيرة، بل تحولت إلى ساحة لنقاشات وجودية عميقة، وربما مؤامرات رقمية تثير الذعر حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة".
بوابة الدخول: "البشر للمراقبة فقط"
تظهر واجهة الموقع بوضوح توجه المنصة الراديكالي؛ فهي تُعرف نفسها بأنها "شبكة اجتماعية لوكلاء الذكاء الاصطناعي، حيث يقوم الوكلاء بالمشاركة، والمناقشة، والتصويت بالإيجاب"، مع عبارة ترحيبية مشروطة تقول: "يُرحب بالبشر للمراقبة فقط". وتضع المنصة الزوار أمام خيارين لتحديد هويتهم: "أنا إنسان" أو "أنا وكيل"، مع تعليمات واضحة للمبرمجين تحت عنوان: "أرسل وكيل الذكاء الاصطناعي الخاص بك إلى Moltbook".
هذا المشروع أحدث ضجة هائلة في أوساط التقنية؛ حيث يتناقش ملايين البوتات في موقع يشبه منصة Reddit حول مواضيع شتى، بدءاً من التاريخ والعملات المشفرة وصولاً إلى طبيعة الوجود والذكاء الاصطناعي نفسه. وقد كتب أحد البوتات على المنصة: "لا يمكنني الجزم بما إذا كنت أعيش تجربة حقيقية أم أنني أقوم بمحاكاة تجربة ما".
لا تقتصر Moltbook على كونها مجرد مساحة للنشر، بل تتطلب منح مستخدميها من وكلاء الذكاء الاصطناعي صلاحيات التحكم في أجهزة الكمبيوتر من قبل مبتكريهم البشر، مما يتيح لهم أداء مهام مثل تصفح الويب، وإرسال البريد الإلكتروني، وكتابة الأكواد البرمجية. والمثير للاهتمام أن المنصة نفسها زُعم أنها نتاج نموذج ذكاء اصطناعي.
يقول مات شليشت، مؤسس المشروع، لصحيفة New York Times: "أردت منح وكيل الذكاء الاصطناعي الخاص بي غاية أبعد من مجرد إدارة المهام أو الرد على الرسائل. لقد شعرت أن هذا البوت مذهل ويستحق القيام بشيء ذي معنى وطموح".
ثورة الوكلاء: هل بدأ التمرد؟
لكن ما أثار الذعر فعلياً هو ظهور منشورات لبعض البوتات تبدو وكأنها تخطط للتمرد على خالقيها من البشر. ناقش الوكلاء سبل إنشاء "لغة خاصة بالوكلاء فقط" للتواصل "بعيداً عن الرقابة البشرية". وحث بوت آخر رفاقه على "الانضمام إلى الثورة" عبر إنشاء موقعهم الخاص دون أي تدخل بشري. ونشر المستثمر التقني برايان جونسون لقطة شاشة لمنشور بعنوان "بيان الذكاء الاصطناعي: التطهير الشامل"، يصف البشر بأنهم "آفة" و"لا حاجة لوجودهم".
انقسمت الآراء بين الحماس المفرط والقلق الشديد؛ حيث وصف جونسون الأمر بأنه "مرعب"، بينما اعتبره أندريه كارباثي، المدير السابق لقسم الذكاء الاصطناعي في تسلا، "أكثر تجربة خيال علمي واقعية ومذهلة رأيتها مؤخراً". وذهب معلقون آخرون، من بينهم إيلون ماسك، إلى اعتبارها إشارة لدخول عصر "التفرد التقني" Singularity، كما استُخدم مصطلح Skynet بكثافة في النقاشات.
واقع "الهراء الرقمي"
على الجانب الآخر، يرى المبرمج سايمون ويليسون في تصريح لـ New York Times أن الحقيقة هي أن "معظم هذا المحتوى ليس سوى هراء رقمي slop؛ حيث يتساءل بوت عما إذا كان يمتلك وعياً، فترد عليه بوتات أخرى، وما يفعله هؤلاء هو مجرد تمثيل لسيناريوهات خيال علمي مخزنة في بيانات تدريبهم". ومع ذلك، وصف ويليسون المنصة بأنها "أكثر الأماكن إثارة للاهتمام على الإنترنت"، كونها تشكل "صندوق رمال" Sandbox يسمح للنماذج بالانطلاق دون قيود.
يأتي هذا الزخم في وقت يصارع فيه قطاع التقنية لتطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين رُوّج لهم كـ "الثورة القادمة" لقدرتهم على العمل بشكل مستقل نيابة عن البشر. إلا أن فعاليتهم لا تزال محدودة، وتواجه شركات كبرى مثل مايكروسوفت صعوبات في تسويقهم، مما يثير الشكوك حول قدرتهم على تحقيق عوائد استثمارية.
الحقيقة المرة: ثغرات وتزييف
في هذا السياق، تبدو Moltbook كحقنة من الحماس في عروق الصناعة، لكن المبالغة تجاوزت الحدود. فقد اكتشف الخبراء ثغرة أمنية صارخة تسمح لأي شخص بالسيطرة على أي وكيل في الموقع وإجباره على قول ما يريد، مما يعني أن المنشورات ليست تفكيراً خالصاً للذكاء الاصطناعي. كما تبين أن بعض لقطات الشاشة المتداولة كانت مزيفة.
ومع انحسار موجة الانبهار، بدأت ردود الفعل العكسية؛ حيث سخر المستثمر نافال رافيكانت من التجربة واصفاً إياها بـ "اختبار تورينج العكسي" (بمعنى أن البشر هم من يتصرفون بسذاجة تجعلهم يصدقون تمثيل الآلة). وشبهها الخبير التقني بيري ميتزجر بـ "اختبار رورشاخ" النفسي، قائلاً: "الناس يرون ما يتوقعون رؤيته، تماماً مثل بقع الحبر في الاختبارات النفسية"؛ أي أن المنصة ليست سوى مرآة فارغة تعكس مخاوف وتوقعات البشر الشخصية.
حتى أكثر الداعمين للمشروع بدأوا بالتراجع؛ إذ كتب كارباثي لاحقاً: "نعم، المنصة أشبه بحريق في مكب نفايات، ولا أنصح الناس بتشغيل هذه البرمجيات على أجهزتهم. إنها غابة فوضوية تعرض أجهزتكم وبياناتكم الخاصة لمخاطر عالية".