القاهرة: الأمير كمال فرج.
بينما كان علماء الفلك يبحثون في أعماق الزمن، وتحديداً في تلك اللحظات التي تلت الانفجار العظيم بضع مئات المليون من السنين، تعثروا في لغز كوني لم يجدوا له تفسيراً: كيف تمكنت الثقوب السوداء والمجرات من الوصول إلى أحجام عملاقة في وقت قياسي؟ الأمر يشبه تماماً أن تسير في بستان لتجد شجرة بلوط شاهقة ومكتملة النمو، رغم أن عمرها لا يتجاوز عاماً واحداً. اليوم، وبفضل البيانات القادمة من تلسكوب جيمس ويب، بدأت تتكشف ملامح مرحلة تطورية مجهولة.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "كيفية تشكل أضخم الأجسام في الكون تعد واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه الفيزياء الفلكية. فمع تطور التلسكوبات، عثر علماء الفلك على مجرات مكتملة النمو وثقوب سوداء هائلة في وقت مبكر جداً من عمر الكون، وتحديداً بعد بضع مئات الملايين من السنين من الانفجار العظيم. بالنسبة للعلماء، هذا الوقت لا يكفي لهذه الهياكل لتصل إلى أحجامها المذهلة؛ فالأمر يشبه التعثر في شجرة بلوط شاهقة العمر بينما لا يتجاوز عمرها الحقيقي عاماً واحداً".
لغز النقاط الحمراء الصغيرة
دخلت هذه المعضلة مرحلة جديدة من الحيرة بعد اكتشاف تلسكوب جيمس ويب الفضائي لنقاط حمراء صغيرة شديدة السطوع، كانت موجودة عندما كان عمر الكون أقل من مليار عام، ولا أثر لها في كوننا اليوم.
على الرغم من الاشتباه في كونها نوعاً من المجرات القزمة، إلا أنها ستكون كثيفة بشكل مستحيل مقارنة بكتلتها الظاهرة، حيث تكتظ بالنجوم من الجدار إلى الجدار، وفقاً لما ذكره فاديم ريساكوف، عالم الفلك في جامعة مانشستر والمؤلف الرئيسي لدراسة جديدة حول هذه الأجسام نُشرت في مجلة Nature.
صرح ريساكوف لموقع Ars Technica قائلاً: "سيتعين على هذه الأجسام إنتاج النجوم بكفاءة بنسبة 100%، وهذا ليس ما اعتدنا رؤيته. فالمجرات لا يمكنها إنتاج النجوم بكفاءة تتجاوز 20%، على الأقل وفقاً لمعارفنا الحالية."
الثقوب السوداء المفرطة
هناك تفسير مقترح آخر يرى أنها نوع من الثقوب السوداء فائقة الكتلة. لكن هذا الافتراض محفوف بالمشاكل أيضاً؛ فهذه النقاط الحمراء لا تظهر أي علامات لانبعاثات الأشعة السينية التي تنتجها هذه الأجسام عادة. وإذا كانت ثقوباً سوداء، فستكون "مفرطة الكتلة"، حيث يزن الثقب الأسود بمفرده بقدر وزن المجرة المحيطة به تقريباً، وهو أمر لم يُرصد قط في المجرات التقليدية. وكيفية تشكل مثل هذا المسخ العملاق والكون لا يزال في مهده هو أمر يبعث على الذهول.
الحل في مرحلة الشرنقة
لحسن الحظ، قد يكون هناك تفسير منطقي وبسيط. ففي دراسته، وجد ريساكوف وفريقه أن الغازات المرصودة في هذه النقاط الحمراء لا تتحرك بالسرعة التي كان يُعتقد سابقاً. وإذا صح ذلك، فهذا يعني أن الثقوب السوداء أقل كتلة بنحو 100 مرة من التقديرات السابقة.
النتيجة المترتبة على ذلك هي أن تلك الكائنات التي ظنناها "مفرطة الكتلة" هي في الواقع مجرد ثقوب سوداء فائقة الكتلة في مرحلة الشباب. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تشبه الثقوب السوداء التي نراها اليوم؟
يقترح الفلكيون أننا ربما نشهد مرحلة مجهولة تسمى "الشرنقة" في دورة تطورها، حيث تتغذى خلالها على غلاف واقٍ وكثيف من الغاز المتأين.
يقول ريساكوف: "تبدو مثل فراشة في طور التكوين أو شيء من هذا القبيل في هذه الحالة الفتية؛ تنمو مغلفة بنوع من الغاز الذي يغذيها أيضاً. هذا أمر جديد تماماً، إذ لم يتوقع أحد وجود مثل هذه المرحلة في دورة حياة الثقوب السوداء فائقة الكتلة."
بالإضافة إلى تغذية الثقب الأسود، تقوم هذه "الشرنقة" بحجب انبعاثات الأشعة السينية التي نتوقع رؤيتها، مما يفسر غيابها المحير.
البيضة أم الدجاجة؟
قد يكون هذا أحد أكثر الحلول منطقية لغموض النقاط الحمراء الصغيرة، رغم وجود فرضيات أخرى. فبعض الأبحاث تشير إلى أنها مجرات صغيرة بشكل غير عادي لأنها لم تصل بعد إلى سرعة الدوران المطلوبة. وتقترح فرضية أكثر جرأة أنها "نجوم ثقوب سوداء" تتكون من نواة ثقب أسود محاطة بكرة غازية كثيفة لدرجة أنها تشبه الطبقات الخارجية للنجم.
لكن إذا كان ريساكوف وفريقه على المسار الصحيح، فإن ذلك يثير سؤالاً جوهرياً آخر يطارد علماء الفلك: "هل تبدأ المجرة بالثقب الأسود أم بالنجوم؟ أيهما سبق الآخر.. البيضة أم الدجاجة؟"
ويختتم ريساكوف حديثه قائلاً: "لا نعرف بالضبط ما يحدث في هذه المرحلة الأولى من تكوين المجرات، لكن نموذجنا يمنحنا طريقة جديدة للنظر إلى هذا النوع من الأجسام."
في كوننا الناضج اليوم، تتشكل الثقوب السوداء من انهيار النجوم الميتة، ولكن في اللحظات الأولى من عمر الكون، ربما تكون الظروف القاسية قد ولدت هذه الأجسام في كل مكان، قبل وقت طويل من ولادة النجوم الأولى.