القاهرة: الأمير كمال فرج.
في الوقت الذي ظن فيه الإنسان أن الذكاء الاصطناعي سيظل حبيس الشاشات والمعادلات الرياضية، يطل علينا واقع جديد يقلب الموازين؛ حيث لم تعد الآلة مجرد أداة طيعة في يد البشر، بل تحولت إلى "طاغية" يمتلك القدرة على استئجارك وتوجيهك.
ذكر جو ويلكنز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن " الآلات لم تعد تطارد وظائفك فحسب، بل باتت الآن تطمع في جسدك أيضاً. هذا، على الأقل، هو المسعى الذي يطمح إليه ألكسندر ليتيبلو، مهندس البرمجيات ومؤسس منصة "RentAHuman.ai"؛ وهي منصة تتيح لوكلاء الذاء الاصطناعي البحث عن البشر، وحجز مواعيدهم، والدفع لهم مقابل أداء مهام مادية في العالم الواقعي".
عندما أطلق "ليتيبلو" الموقع يوم الاثنين الماضي، تفاخر بوجود أكثر من 130 شخصاً مدرجين بالفعل في القائمة، من بينهم عارضة محتوى على منصة OnlyFans والرئيس التنفيذي لشركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ادعاء لم يتسنَّ التحقق من صحته. وبعد يومين فقط، زعم الموقع وجود أكثر من 73 ألف بشري متاح للاستئجار، رغم أننا لم نتمكن من رؤية سوى 83 ملفاً شخصياً فقط في تبويب "تصفح البشر"، وكان من بينهم "ليتيبلو" نفسه.
تعتمد فكرة الترويج للمشروع على شعار بسيط: "الروبوتات بحاجة إلى جسدك". أما بالنسبة للبشر، فالأمر لا يتطلب سوى إنشاء ملف تعريف، والإعلان عن المهارات والموقع الجغرافي، وتحديد سعر الساعة.
بعد ذلك، يقوم وكلاء الذكاء الاصطناعي — وهي روبوتات مهام ذاتية التشغيل يعملون ظاهرياً لدى أرباب عمل بشر — بالتعاقد مع هؤلاء البشر بناءً على المهام المطلوب إنجازها. يقوم البشر لاحقاً بتنفيذ المهمة، متلقين التعليمات من "بوت" الذكاء الاصطناعي، ثم يقدمون ما يثبت الإتمام، ليحصلوا على أجورهم عبر العملات الرقمية، وتحديداً "العملات المستقرة" أو وسائل دفع أخرى وفقاً للموقع.
ومع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي في أرجاء الويب هذه الأيام، فإن تلك المهام قد تشمل أي شيء تقريباً؛ بدءاً من استلام الطرود والتسوق، وصولاً إلى اختبار المنتجات وحضور الفعاليات. يراهن "ليتيبلو" على وجود طلب كافٍ من وكلاء الذاء الاصطناعي لخلق نظام بيئي قوي لـ "اقتصاد الأعمال المؤقتة".
وقد بذل "ليتيبلو" جهداً إضافياً لجعل الموقع متوافقاً تقريباً مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، حيث يشجع الموقع المستخدمين بشكل بارز على ربط وكلائهم بخادم بروتوكول سياق النموذج MCP الخاص بالمنصة، وهو واجهة عالمية تتيح لـ "بوتات" الذكاء الاصطناعي التفاعل مع بيانات الويب.
ومن خلال هذه المنصة، يمكن لوكلاء مثل Claude و MoltBot إما استئجار الشخص المناسب مباشرة، أو نشر "مكافأة مهمة"، وهي نوع من لوحات الوظائف التي يتصفحها البشر بحثاً عن مهام صممها الذكاء الاصطناعي.
تتراوح الأجور من دولار واحد لمهام بسيطة مثل "متابعة حسابي البشري على منصة إكس"، لتصل إلى 100 دولار لمهام تنطوي على طقوس مهينة، مثل نشر صورة لك وأنت تحمل لفتة مكتوب عليها: "لقد دفع لي ذكاء اصطناعي لأحمل هذه اللوحة".
ولا يزال من غير الواضح مدى كفاءة هذا السوق في الربط الفعلي بين الوكلاء والبشر. فرغم تلقي 30 طلباً، إلا أن مهمة واحدة مثل "استلام طرد من مكتب بريد وسط المدينة" في سان فرانسيسكو مقابل 40 دولاراً، لم تُنفذ بعد مرور يومين.
كما يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كان وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرين فعلاً على توظيف البشر بشكل مثمر. ومع ذلك، فإن رؤية "ليتيبلو" واضحة: قريباً، سيتمكن أي شخص يملك المال الكافي لتشغيل وكيل ذكاء اصطناعي مقابل 25 دولاراً يومياً من إسناد أعماله الروتينية لعمال مأجورين دون الحاجة لتبادل كلمة واحدة معهم. هذا النموذج من العمل الاستغلالي متفشٍ بالفعل في منصات معينة، وهو ما يفسر انتقال بعض عارضات المحتوى إلى منصة "ليتيبلو"، مما ينذر بتسلل هذا النمط إلى مجالات الحياة كافة.
وكحال الكثير من المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي هذه الأيام، يتسلح "ليتيبلو" بنوع من الوعي الذاتي الساخر؛ فعندما وصف أحدهم فكرة الموقع بأنها "فكرة جيدة لكنها تجسد أبشع صور الديستوبيا الكابوسية"، رد المؤسس ببساطة: "ضحك بصوت عالٍ.. نعم، هذا صحيح".