القاهرة: الأمير كمال فرج.
لطالما ارتبطت صورة المومياوات في أذهاننا بصمت المقابر أو كوابيس أفلام الرعب، لكن العلم اليوم يدعوك لتجربة مغايرة تماماً تتجاوز حاسة البصر. فبفضل القفزات النوعية في علم الآثار الجزيئي الحيوي، لم يعد العلماء يكتفون بدراسة ما تراه العين، بل باتوا يستخلصون البصمات الجزيئية الدقيقة العالقة بالقطع الأثرية لإعادة تركيب الروائح التي كانت تفوح منها قبل آلاف السنين.
ذكرت لورا بايساس في تقرير نشره موقع Popular إن "ورقة بحثية جديدة نُشرت في مجلة Frontiers in Environmental Archaeology توضح كيف يمكن للمتاحف تسخير قوة الأدلة الجزيئية للولوج إلى العالم الحسي للماضي. وبناءً على النتائج الجزيئية الفعلية المستخلصة من القطع الأثرية، صمم الفريق "بطاقات روائح" محمولة وأجهزة لنشر العطر ترافق معارض التحنيط المصرية".
وصرحت باربرا هوبر، المؤلفة المشاركة في الدراسة وخبير الكيمياء الأثرية بمعهد Max Planck لعلوم الأنثروبولوجيا الجيولوجية وجامعة توبنغن في ألمانيا، قائلة: يمثل هذا البحث تحولاً كبيراً في كيفية مشاركة النتائج العلمية وإيصالها للجمهور بعيداً عن المنشورات الأكاديمية الجافة.
وقد تعاونت هوبر مع صوفيا كوليت إيريش، وهي مؤرخة فن وخبيرة في السرد القصصي القائم على الروائح، للجمع بين عوالم الكيمياء القديمة ودراسة كيفية تواصل العطور عبر حاسة الشم.
من المختبر إلى أنف الزائر
استخدمت صانعة العطور والصيدلانية كارول كالفيز التوقيعات الكيميائية القديمة المستمدة من أبحاث هوبر لابتكار عطر مخصص لمعرض محتمل. وتؤكد كالفيز أن هذه العملية ليست مجرد محاكاة بسيطة، حيث قالت: إن "التحدي الحقيقي يكمن في تخيل الرائحة ككيان متكامل؛ فبينما توفر البيانات الجزيئية الحيوية أدلة جوهرية، يتعين على صانع العطور ترجمة هذه المعلومات الكيميائية إلى تجربة شمية كاملة ومتماسكة تستحضر تعقيد المادة الأصلية، بدلاً من مجرد عرض مكوناتها الفردية".
طور الفريق طريقتين لتقديم الروائح القديمة للجمهور؛ فبجانب القطع الأثرية التي ألهمت المشروع، أعاد الفريق إحياء روائح التحنيط في مصر القديمة. وتم دمج بطاقة معطرة محمولة ومحطة ثابتة لنشر الرائحة ضمن معرض في متحف August Kestner في هانوفر بألمانيا.
ما وراء "كليشيهات" الرعب
أفاد القيمان على المعرض، كريستيان لويبين وأولريك دوبيل، بأن الرائحة توفر مدخلاً جديداً لفهم التحنيط، بعيداً عن عوامل التخويف والصور النمطية لأفلام الرعب، وصولاً إلى تقدير الدوافع الكامنة وراء هذه الأفعال والنتائج المرجوة منها.
كما تم تثبيت نموذج "محطة الروائح الثابتة" في معرض بمتحف Moesgaard في آرهوس بالدنمارك. وقال القيم على المعرض ستيفن تيرب لورسن: "لقد أحدثت محطة الروائح تحولاً في كيفية فهم الزوار لعملية التحنيط، فالرائحة أضافت عمقاً عاطفياً وحسياً لا يمكن للوحات التعريفية المكتوبة وحدها أن توفره أبداً".
ووفقاً للفريق البحثي، فإن هذا المشروع يبرهن على كيفية تحويل الآثار الجزيئية للماضي إلى تجارب ثقافية ذات مغزى في الحاضر. واختتمت إيريش قائلة: "نأمل أن نقدم للمتاحف أدوات جديدة ومقنعة لتقريب الزوار من بيئات وممارسات الماضي عبر التفاعل والتفسير الحسي".