القاهرة: الأمير كمال فرج.
يبدو أن الوعود البراقة بزيادات ثورية في الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي قد بدأت تصطدم بصخرة الواقع؛ إذ تتراكم الأدلة التي تشكك في الجدوى الفعلية لهذه التقنية داخل أروقة الشركات.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "تحليل جديد لمسح أجراه المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية NBER، كشف أن نحو 90% من بين ما يقرب من 6,000 رئيس تنفيذي ومدير مالي وكبار المسؤولين التنفيذيين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وأستراليا، أكدوا أن الذكاء الاصطناعي لم يترك أي أثر ملموس على الإنتاجية أو التوظيف في شركاتهم حتى الآن".
ورغم أن التساؤل شمل تأثير الذكاء الاصطناعي بشكل عام، إلا أن اللافت للنظر هو أن 70% من هذه الشركات تستخدم التقنية بالفعل في نشاطها اليومي، مما يعني اعترافاً ضمنياً بأن تبني التكنولوجيا الحديثة لم يحرك ساكناً في كفاءة الأداء.
رؤساء "متحمسون" ولكن.. بلا مردود
النتائج كشفت مفارقة غريبة؛ فبينما يميل المدراء عادةً لإبداء حماس مفرط تجاه التقنيات الجديدة مقارنة بموظفيهم، أظهر المسح أن ثلثي هؤلاء المدراء يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي شخصياً بمعدل لا يتجاوز 1.5 ساعة أسبوعياً، وهو وقت يقل عما يقضيه الشخص العادي في تصفح عشوائي لهاتفه في يوم واحد.
وتأتي هذه المعطيات لتغذي الشكوك المتصاعدة حول الوعود الاقتصادية للذكاء الاصطناعي. فقد أشارت دراسة أخرى شملت 4,500 رئيس تنفيذي إلى أن أكثر من نصفهم لا يرون عائداً مالياً حقيقياً من استثماراتهم في هذا المجال. كما دقت دراسة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT ناقوس الخطر، مؤكدة أن 95% من الشركات التي دمجت الذكاء الاصطناعي لم تشهد نمواً ملموساً في إيراداتها.
"نفايات العمل" والاحتراق الوظيفي
لم يعد لغز غياب الإنتاجية مستعصياً على الحل؛ فالبحوث تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يزال يخفق في إنجاز المهام المكتبية المعقدة، بل إنه يتسبب في إبطاء عمل المبرمجين بسبب الأخطاء المتكررة التي يدسها في الأكواد البرمجية.
والأدهى من ذلك، أن التقنية قد تؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ وجد تقرير أن الذكاء الاصطناعي يساهم في تكثيف ضغط العمل وتسريع "الاحتراق الوظيفي". كما بدأ يظهر ما اصطلح على تسميته بـ workslop أو "نفايات العمل"، وهي مخرجات منخفضة الجودة يضطر الموظفون البشريون لإصلاحها، مما يعيق سير العمل ويثير حالة من الاستياء بين الزملاء، لدرجة أن الباحثين وصفوا التكلفة الأكثر إثارة للقلق بأنها "تكلفة اجتماعية وتفاعلية".
مفارقة "سولوه" تعود للواجهة
على الرغم من هذه النتائج المخيبة، إلا أن وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي لا تزال في تصاعد؛ حيث قفزت نسبة الشركات المستخدمة للتقنية من 61% في أوائل عام 2025 إلى 71% مع بداية عام 2026.
ربما يعيدنا هذا المشهد إلى "مفارقة سولوه" الشهيرة؛ حيث تنبأ الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، روبرت سولوه، قبل عقود بأن ثورة تكنولوجيا المعلومات لن تؤدي إلى طفرة فورية في الإنتاجية، بل قد تسبب تباطؤاً في نموها قبل أن تظهر ثمارها على المدى الطويل.
ومع ذلك، لا يزال عالم الأعمال يتشبث بالأمل؛ إذ يتوقع التنفيذيون الذين شملهم الاستطلاع أن يرفع الذكاء الاصطناعي الإنتاجية بنسبة 1.4% والإنتاج بنسبة 0.8% خلال السنوات الثلاث القادمة، مع تقليص العمالة بنسبة 0.5%. ويبقى السؤال المفتوح: أي من هذه الأرقام هو ما يثير حماسهم الحقيقي؟