القاهرة: الأمير كمال فرج.
في الوقت الذي كان العالم ينتظر فيه من تقنيات الذكاء الاصطناعي أن تكون طوق النجاة لمواجهة التغير المناخي، كشف تقرير عن وجه مغاير تماماً لهذه التقنية؛ وجهٌ لا يكتفي باستنزاف الطاقة فحسب، بل يُستخدم كأداة لتقويض الإرادة الشعبية وتزييف المشاركة المدنية.
ذكر جو ويلكنز في تقرير نشرته مجلة Futurism "في أواخر عام 2023، ضجّ عالم الشركات بوعود يوتوبية حول قدرة الذكاء الاصطناعي على إنقاذ البيئة؛ حيث زعمت Google أن التقنية ستقلل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 10%، وتغنت Microsoft بقدرتها على تسريع حلول الاستدامة. لكن من منظور عام 2026، تبدو هذه الادعاءات منفصلة تماماً عن الواقع؛ فالذكاء الاصطناعي لا يستهلك طاقة هائلة فحسب، بل بات يُستخدم كأداة لتقويض التشريعات المناخية".
كشف تقرير حديث لصحيفة Los Angeles Timesعن سقوط مبادرة بيئية تهدف للتخلص التدريجي من الأجهزة التي تعمل بالغاز في جنوب كاليفورنيا، وذلك بفضل حملة منظمة استخدمت برمجيات الذكاء الاصطناعي كسلاح سياسي.
"سيفيكليك".. التضليل الرقمي كخدمة
المبادرة التي قدمتها إدارة جودة الهواء في الساحل الجنوبي (AQMD) كانت تهدف للحد من انبعاثات أكسيد النيتروجين المسبب للضباب الدخاني عبر استبدال سخانات المياه والأفران التي تعمل بالغاز الطبيعي. ومع اقرار المبادرة في صيف 2025، غرق بريد الوكالة بعشرات الآلاف من الرسائل التي بدت وكأنها احتجاجات شعبية عفوية.
اتضح لاحقاً أن هذا الطوفان من التعليقات الغاضبة تقف خلفه منصة CiviClick، وهي برمجية تصف نفسها بأنها "أداة ثورية للمناصرة الرقمية". وبحسب السجلات، تم توليد أكثر من 20 ألف تعليق عام ضد المبادرة عبر هذه المنصة، التي توفر ميزات مثل "المولد التلقائي للرسائل المدعوم بالذكاء الاصطناعي"، والقدرة على تغيير نصوص الرسائل وعناوينها عشوائياً للإيحاء بأنها صادرة عن أفراد مختلفين.
ديمقراطية مزيفة
أمام هذا الضغط الشعبي "المصطنع"، صوت مجلس إدارة (AQMD) برفض المبادرة بنتيجة 7 إلى 5. ووصف مات كلينك، العقل المدبر للحملة، دور CiviClick بأنه "العامل الحاسم"، مشيراً إلى أن موظفي الوكالة لم يعتادوا تلقي عشرات الآلاف من الرسائل، مما قلب الموازين تماماً.
لكن التحقيقات كشفت عن زيف هذه "المشاركة الشعبية"؛ إذ أكد ثلاثة أشخاص على الأقل تواصلت معهم الصحيفة أنهم لم يعلموا أصلاً بأن المنصة أرسلت تعليقات بأسمائهم. وبدلاً من أن تكون الأداة جسراً بين الناخب والمسؤول، تحولت إلى وسيلة لضخ أصوات وهمية تخدم مصالح قطاع الغاز الذي خاض معركة قانونية ضد الوكالة منذ نهاية 2024.
من يمول "الجمهور المستأجر"؟
رفض كلينك الكشف عن هوية الممول لحملة CiviClick، إلا أن شركته للاستشارات السياسية مرتبطة بواحدة من أكبر شركات اللوبي في الولاية، والتي تضم قائمة عملائها تكتلات طاقة ضخمة وشركات كبرى مثل Sempra، المالكة لشركة غاز جنوب كاليفورنيا العملاقة.
إن ظاهرة "التمثيل الشعبي الزائف" Astroturfing ليست جديدة في السياسة الأمريكية، لكن استخدام الذكاء الاصطناعي يمثل تصعيداً خطيراً. فبينما كان إقناع الناس يتطلب جهداً حقيقياً، بات بإمكان الشركات الآن "استئجار" مظاهر الديمقراطية عبر توليد آلاف الأصوات بضغطة زر، مما يفتح الباب أمام تساؤلات مرعبة حول مستقبل المشاركة المدنية ونزاهة العمل السياسي.