القاهرة: الأمير كمال فرج.
عندما قام عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر بفتح مقبرة الملك توت عنخ آمون في عام 1922، لم يكن يتوقع حجم الكنوز التي سيجدها. فإلى جانب القناع الجنائزي الذهبي الشهير، عثر كارتر على مجموعة مذهلة من المقتنيات الشخصية التي تعطينا لمحة نادرة عن الحياة اليومية لملك شاب عاش قبل أكثر من 3300 عام.
ذكر تيودور تاريتا في تقرير نشره موقع ZME Science "من بين أكثر هذه المقتنيات إثارة للاهتمام كانت مجموعة أحذية الملك، التي ضمت حوالي 80 زوجاً من الصنادل والنعال، تراوحت بين القطع الجنائزية الفاخرة والأحذية المخصصة للاستخدام اليومي".
رمزية سياسية: سحق الأعداء تحت الأقدام
لم تكن أحذية الملك توت مجرد قطع للموضة أو لحماية القدمين، بل كانت تحمل دلالات سياسية ودينية عميقة تعكس قوة الفرعون وسلطته المطلقة. ففي مصر القديمة، كان يُنظر إلى الملك باعتباره الحامي للأرض من قوى الفوضى. ولتجسيد هذا الدور، نُقشت على باطن العديد من صنادل الملك صور للأسرى والأعداء التقليديين لمصر، وتحديداً النوبيين من الجنوب والآسيويين من الشرق.
هذا التصميم لم يكن عشوائياً؛ ففي كل مرة يخطو فيها الملك خطوة، كان يمارس فعلاً رمزياً يتمثل في "سحق" أعداء الدولة تحت قدميه. كانت هذه الرسالة البصرية واضحة للجميع: الفرعون هو المسيطر، وأعداؤه دائماً تحت وطأة قدمه، مما يعزز مفهوم انتصار النظام الملكي على أي تهديد خارجي.
تنوع الخامات والبراعة الحرفية
كشفت الدراسات التي أجراها الباحثون، وعلى رأسهم خبير الأحذية القديمة أندريه فيلدمييه، أن مجموعة أحذية الملك توت كانت متنوعة بشكل مدهش من حيث المواد والتقنيات المستخدمة:
الصنادل الذهبية: عُثر على هذه الصنادل على قدمي مومياء الملك مباشرة. وهي مصنعة من صفائح ذهبية رقيقة جداً نُقش عليها بدقة متناهية نمط يشبه نسيج أوراق البردي. ومن الواضح أن هذه الصنادل كانت "جنائزية" بحتة، أي أنها صُنعت خصيصاً ليرتديها الملك في رحلته نحو العالم الآخر، ولم تكن مخصصة للمشي الفعلي في الحياة الدنيا نظراً لرقة معدنها.
صنادل البردي واللحاء: كانت هذه هي الأحذية الأكثر شيوعاً للاستخدام اليومي. استخدم الحرفيون المصريون ألياف نبات البردي ولحاء النخيل والأعشاب، وقاموا بنسجها بأساليب معقدة تظهر مهارة يدوية فائقة. بعض هذه الصنادل كانت تحتوي على "سيور" متقنة وأربطة مصممة لتوفير أقصى درجات الراحة.
الأحذية الجلدية الملونة: ضمت المجموعة أيضاً أحذية مصنوعة من جلود الحيوانات، المصبوغة بألوان زاهية والمطرزة بالخرز والذهب، مما يعكس البذخ والرفاهية التي كان يتمتع بها البلاط الملكي.
البعد الطبي: أحذية مصممة لحالة خاصة
أحد أكثر الجوانب إثارة في دراسة أحذية الملك توت هو ارتباطها بحالته الصحية. تشير الفحوصات الطبية والمقطعية للمومياء إلى أن الملك كان يعاني من عيوب خلقية في قدميه، منها ما يُعرف بـ "القدم المخلبية" Clubfoot في قدمه اليسرى، بالإضافة إلى مرض نخر العظام الذي ربما جعل المشي مؤلماً بالنسبة له.
وعند فحص بعض الصنادل، وجد الباحثون تفاصيل تشير إلى أنها قد تكون "أحذية طبية" بدائية؛ حيث تحتوي بعض القطع على دعامات إضافية وتعديلات في شكل النعل لتناسب انحناء قدم الملك وتساعده على التوازن أثناء المشي. وهذا يفسر أيضاً وجود مئات العصي المخصصة للمشي التي عُثر عليها داخل المقبرة، والتي كانت مكملة لهذه الأحذية لمساعدة الملك الشاب على الحركة.
حالة الحفظ المذهلة
ما يجعل هذه المجموعة فريدة هو بقاؤها بحالة جيدة جداً رغم مرور آلاف السنين. فالمناخ الجاف داخل المقبرة المنسية في وادي الملوك ساهم في حماية المواد العضوية مثل البردي والجلد من التحلل. واليوم، تعد هذه الأحذية جزءاً أساسياً من المعروضات في المتحف المصري الكبير، حيث تخضع لعمليات ترميم دقيقة باستخدام أحدث التقنيات لضمان بقائها للأجيال القادمة كشاهد على حضارة عرفت كيف تمزج بين الفن، والسياسة، والطب في "نعل حذاء".