القاهرة: الأمير كمال فرج.
لطالما اعتبرت قصص العمالقة جزءاً من الميثولوجيا والأساطير التي لا تجد لها مكاناً في كتب التاريخ الرصينة، إلا أن تحليلاً حديثاً لبردية مصرية قديمة أعاد فتح هذا الملف المثير للجدل.
ذكر أدريان فيليلاس في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "دراسة أشارت إلى أن النصوص الواردة في بردية تُعرف باسم "بردية أناستاسي الأولى" Papyrus Anastasi I، قد تكون وثقت وجود محاربين بضخامة غير بشرية، تراوحت أطوالهم بين 2.03 و2.59 متراً، مما يضعنا أمام تساؤل: هل كان هؤلاء مجرد كائنات خيالية أم واقعاً تاريخياً رصده المصريون القدماء؟".

رسالة ساخرة بوقائع مرعبة
تعود "بردية أناستاسي الأولى" إلى عهد الأسرة التاسعة عشرة (حوالي القرن الثالث عشر قبل الميلاد)، وهي مكتوبة بالخط الهيراطيقي. النص في جوهره عبارة عن رسالة "ساخرة" يتبادلها كاتبان ملكيان، هما "هوري" و"أمينيموبي"، حيث يتحدى "هوري" زميله في معلوماته الجغرافية والعسكرية.
لكن المثير للدهشة هو الفصل الذي يصف منطقة حدودية في أرض كنعان (لبنان وفلسطين حالياً)؛ حيث يصف النص مواجهة مع مقاتلين من قبائل "الشاسو" (Shasu). يذكر النص بوضوح أن هؤلاء الرجال كانوا يتمتعون بمظهر شرس، والأهم من ذلك، أن أطوالهم بلغت "أربعة أو خمسة أذرع من الرأس إلى القدم".
وحدات القياس: مفتاح اللغز
يكمن الجدل العلمي في ترجمة "الذراع" المصرية القديمة. فإذا اعتمدنا "الذراع الصغير" (حوالي 45 سم) أو "الذراع الملكي" (حوالي 52.5 سم)، فإن الحسابات تشير إلى أن طول هؤلاء المحاربين تراوح بين 6 أقدام و8 بوصات، وصولاً إلى 8 أقدام و6 بوصات (أي ما يقارب 2.6 متر).
هذه الأطوال تجعلهم "عمالقة" بكل المقاييس البشرية، خاصة إذا علمنا أن متوسط طول الرجل في مصر القديمة كان حوالي 1.6 متر. إن وجود محاربين بهذا الطول الشاهق في منطقة كنعان يتقاطع بشكل مذهل مع الروايات التاريخية والدينية الأخرى التي تحدثت عن وجود "عمالقة" في تلك المنطقة الجغرافية تحديداً.
الجغرافيا والأسطورة: تقاطع الطرق
يشير التقرير إلى أن الموقع الجغرافي المذكور في البردية هو ممر جبلي ضيق، وهي منطقة كانت تُعتبر "نقطة ساخنة" للصدامات العسكرية. ربط الباحثون بين هؤلاء المحاربين والتقاليد الكنعانية التي وصفت شعوباً مثل "العناقيين" أو "الرفائيين" بأنهم طوال القامة بشكل غير طبيعي.
ومع ذلك، يطرح العلماء تساؤلاً جوهرياً: هل كان الكاتب المصري يصف عمالقة حقيقيين، أم كان يبالغ في وصف طول الأعداء ليزيد من هيبة الصعوبات التي واجهها الكشافة المصريون في تلك المناطق؟
رؤية العلم: هل يصح التفسير الطبي؟
من الناحية البيولوجية، يقر التقرير بأن حالة "العملقة" Gigantism هي حالة طبية حقيقية تنتج عن فرط نشاط هرمون النمو، مما يثبت أن وصول البشر لهذه الأطوال أمر ممكن من الناحية العلمية. لكن، يظل العائق الأكبر أمام تحويل هذه البردية من "أدب" إلى "تاريخ" هو غياب الدليل المادي القاطع؛ إذ لم يعثر علماء الآثار حتى الآن على هياكل عظمية في تلك المنطقة تطابق هذه الأوصاف الضخمة.
الخلاصة
تظل بردية "أناستاسي الأولى" واحدة من أكثر الوثائق غموضاً، فهي تضع سجلات المتاحف والتقاليد الدينية وعلم الأحياء في حوار واحد ومثير. وحتى يتم اكتشاف أدلة أثرية ملموسة، ستظل هذه النصوص بمثابة "حجة مبنية على الكلمات"، توازن بين الحقيقة التاريخية والخيال الأدبي، مٌبقيةً الباب مفتوحاً أمام احتمالية أن التاريخ أخفى عنا فصلاً عن "عمالقة" مشوا يوماً على الأرض.