القاهرة: الأمير كمال فرج.
شهدت الساحة التقنية في الساعات الماضية تراجعاً لافتاً لشركة غرامرلي Grammarly، الرائدة في خدمات التدقيق اللغوي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث قررت سحب ميزتها الأكثر إثارة للجدل والموسومة بـ "مراجعة الخبراء" Expert Review.
ذكر فيكتور تنجرمان في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "هذا القرار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة اصطدام مباشر مع النخب الثقافية والصحفية التي رأت في هذه التقنية "سطواً منظماً" على أصواتها الإبداعية".
هل يمكن "تعليب" أسلوب الكاتب؟
بدأت القصة عندما أطلقت الشركة أداة تسمح لمستخدميها (ضمن باقة الاشتراكات المدفوعة بـ 12 دولاراً شهرياً) بتلقي مقترحات لتحسين نصوصهم، مدعية أن هذه المقترحات تحاكي أسلوب "رواد المهنة والمؤلفين وخبراء المحتوى". لكن الصدمة كانت عندما اكتشف هؤلاء الكتاب أن أسماءهم تُستخدم كـ "ماركات تجارية" لتدريب وتوجيه خوارزميات الشركة دون إذن أو تعويض.
غضب النخب: "كارا سويشر" نموذجاً
لم تمر هذه الميزة مرور الكرام على الصحفية التقنية الشهيرة كارا سويشر، التي عرفت بجرأتها في مواجهة عمالقة وادي السيليكون؛ فقد شنت هجوماً لاذعاً وصفت فيه القائمين على الشركة بأنهم "لصوص هوية جشعون"، محذرة من أن تحويل البصمة الفكرية للإنسان إلى "قالب جاهز" يستخدمه الآخرون هو انتهاك صريح للحقوق الأدبية والمهنية.
اعتراف بالخطأ أم "مناورة"؟
في منشور مطول عبر منصة LinkedIn ، حاول شيشير ميهروترا، الرئيس التنفيذي للشركة الأم، احتواء الموقف من خلال:
1ـ الاعتراف بالتقصير: حيث صرح علانية: "لقد استمعنا إلى ردود الفعل ونقرّ بأننا لم نكن عند مستوى التوقعات".
2ـ تعطيل الميزة مؤقتاً: أكد أن الأداة تم إيقافها لإعادة تصورها بشكل يضمن للخبراء "سيطرة حقيقية" على كيفية تمثيل أصواتهم، أو حتى اختيار عدم المشاركة نهائياً.
3ـ تعهد بالتغيير: وعد بأن النسخة القادمة ستحترم حقوق الملكية الفكرية ولن تفرض أسلوب كاتب على المستخدم دون موافقة الطرفين.
سقطات تقنية "محرجة"
ما زاد من حرج موقف الشركة هو ما كشفه المحرر المخضرم بنيامين دراير، حيث أثبت أن الذكاء الاصطناعي في هذه الأداة كان يمارس نوعاً من "الهلوسة الرقمية"؛ فعندما قام بإدخال نصوص وهمية (لا تعبر عن أي فكرة)، قامت الأداة فوراً بنسب نصائح لتحسينها إلى الروائي العالمي ستيفن كينغ، مما أثبت أن النظام لا يحلل الأسلوب بعمق بقدر ما "يلصق" أسماء المشاهير لإعطاء قيمة وهمية للنص.
مستقبل الصحافة والإبداع
وتفتح هذه الحادثة تفتح الباب أمام أسئلة وجودية في عالم النشر الرقمي: الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي: هل يمتلك الكاتب "نغمة صوته" الكتابية؟. أخلاقيات البيانات: هل يحق للشركات تدريب نماذجها على إنتاج البشر دون تعاقدات رسمية؟. الثقة بين المبدع والآلة: كيف يمكن للمنصات التي تهدف لمساعدة الكتاب (مثل غرامرلي) أن تتحول فجأة إلى خصم يهدد تفردهم؟