القاهرة: الأمير كمال فرج.
من الصعب التكهن بدقة بعدد الوظائف التي التهمها الذكاء الاصطناعي أو تلك التي سيلتهمها مستقبلاً، لكن في أروقة التكنولوجيا والدوائر المالية، بلغت المخاوف من "نهاية العالم الوظيفية" ذروتها.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "ورقة بحثية "فيروسية" صادرة عن Citriny Research تسببت قبل أسابيع في إثارة الرعب بوول ستريت، بعدما رسمت مستقبلاً قاتماً تُقصى فيه قطاعات واسعة من القوة العاملة لصالح الآلة".
وسبق ذلك بأسابيع هزة في الأسواق المالية عقب إطلاق شركة Anthropic لعميلها الاصطناعي الجديد Claude Cowork، مما أثار مخاوف من أتمتة المهام القانونية وضياع مليارات الدولارات من القيمة السوقية للشركات. ورغم أن قادة التكنولوجيا يحذرون من هذا الاضطراب منذ سنوات، إلا أن الأجواء المشحونة في الأشهر الأخيرة تبدو غير مسبوقة.
زلزال Block وتصريحات جاسي
صبَّ جاك دورسي، الرئيس التنفيذي لشركة Block (المعروفة سابقاً باسم Square)، الزيت على النار الأسبوع الماضي بإعلانه تسريح 4000 موظف، أي ما يعادل نصف القوة العاملة تقريباً. ورغم عزوه القرار إلى التوظيف المفرط إبان الجائحة، إلا أنه أبدى حماساً لافتاً تجاه "أدوات الذكاء" التي تتيح العمل بفرق أصغر حجماً.
هذا الإعلان قرع أجراس الإنذار في الصناعة؛ إذ وصفت كلارا شيه، المسؤولة السابقة في Meta وSalesforce، هذه الخطوة بأنها "مجرد البداية"، معتبرة إياها أول عملية تقليص وظائف تقودها محركات الذكاء الاصطناعي. وفي سياق متصل، أكد آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لشركة Amazon، في مقابلة مع CNBC، أن الكثير من المهام التي كان يقوم بها البشر طوال العقود الثلاثة الماضية لن تتطلب نفس الأعداد مستقبلاً.
حقيقة الأرقام أم ذريعة للتسريح؟
المخاوف مبررة ولكنها قد تكون مبالغاً فيها حالياً. تشير التقارير إلى أن الذكاء الاصطناعي ذُكر كسبب في أكثر من 54 ألف عملية تسريح خلال العام الماضي، من بينها خطة أمازون لتقليص 14 ألف وظيفة بعد التفاخر بـ "مكاسب الكفاءة" الناتجة عن تبني التقنية.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من ظاهرة تسمى "الغسل بالذكاء الاصطناعي" AI-washing، حيث يتخذ التنفيذيون من التقنية ذريعة لتبرير قرارات تسريح ناتجة في الأصل عن حسابات مالية بحتة. مارسيلو ليما، الشريك الإداري في Heller House، فند الرواية القائلة بأن تسريحات شركة Block كانت مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الشركة كانت تعاني من تضخم وظيفي غير مبرر بعدما قفز عدد موظفيها من 3900 في عام 2019 إلى 12500 في عام 2022.
الفجوة بين الإمكانات والواقع
حتى اللحظة، لا يوجد دليل قاطع على أن الأنظمة الذاتية قادرة على استبدال الأدوار البشرية بشكل كامل وفعال. فقد كشفت دراسة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT أن 95% من الشركات التي دمجت الذكاء الاصطناعي لم تشهد زيادة ملموسة في الإيرادات، بل إن بعض الأبحاث تشير إلى أثر سلبي للتقنية على الموظفين من حيث تقليل الكفاءة وزيادة ضغط العمل.
لكن يظل "الخوف من الشيء" أحياناً أكثر ضرراً من الشيء نفسه؛ فإذا استمرت الأسواق في الارتباك أمام احتمالات غامضة لاضطراب سوق العمل، فقد يغرق الاقتصاد العالمي في حالة من عدم اليقين لسنوات طويلة قادمة.