القاهرة: الأمير كمال فرج.
يواجه الأكاديميون اليوم تحدياً مصيرياً أمام تغلغل أدوات الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية، مما دفع الكثير منهم إلى إعادة تقييم طرق التدريس التقليدية بعد أن وصل حال الطلاب إلى نوع من التبعية المطلقة لهذه التقنيات.
وفي تحقيق موسع أجرته صحيفة The Guardian مع أكثر من اثني عشر أستاذاً في مجالات العلوم الإنسانية، وصفت دورا تشانغ، أستاذة الأدب في UC Berkeley، الوضع بأنه تجاوز مجرد القلق من الغش الأكاديمي ليصل إلى تساؤلات وجودية حول مصير الجنس البشري وكيفية تفاعله مع العالم في ظل هذه الهيمنة التقنية.
فقدان المهارات وتراجع الإدراك
تؤكد الدراسات الحديثة ما يلمسه الأساتذة في قاعات المحاضرات؛ إذ كشفت دراسة صادرة عن Carnegie Mellon في أوائل عام 2025 أن الموظفين الذين يعتمدون بشكل كلي على دقة أدوات الذكاء الاصطناعي بدؤوا يفقدون مهاراتهم في التفكير النقدي. وفي سياق متصل، أظهرت أبحاث أخرى ارتباطاً مباشراً بين الاعتماد على ChatGPT وبين ضعف الذاكرة، والمماطلة، وتراجع التحصيل العلمي.
ولعل الأكثر إثارة للصدمة هو ما كشفته دراسة من MIT استخدمت تخطيط كهربية الدماغ EEG، حيث تبين أن المستخدمين الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات سجلوا أدنى مستويات المشاركة الإدراكية والذهنية أثناء تنفيذ المهام.
"أزمة مهارات" وصراع مع "التدفق التقني"
يصف مايكل كلون، أستاذ الأدب والروائي في Ohio State University، حالة الجيل الحالي بأنهم باتوا "عاجزين عن القراءة والتحليل أو تجميع البيانات". وانتقد كلون توجه جامعات، مثل جامعته، نحو فرض دورات "الطلاقة في الذكاء الاصطناعي" على كافة التخصصات، معتبراً أن هذه الأدوات تعمل في الواقع ضد الأهداف التعليمية الأساسية التي يسعى لتحقيقها مع طلابه.
ويرى أكاديميون أن شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل OpenAI و Microsoft، تفرض سيطرتها عبر ضخ عشرات الملايين من الدولارات في نقابات المعلمين، وعقد شراكات مع جامعات كبرى مثل Duke University التي أطلقت أداة DukeGPT. بل وصل الأمر إلى الصعيد الدولي عبر شراكة بين إيلون ماسك، مؤسس xAI، وحكومة السلفادور لإطلاق برنامج تعليمي وطني يعتمد على Grok لخدمة مليون طالب.
استراتيجيات المقاومة: العودة إلى "البشرية"
في مواجهة هذا المد التقني، بدأ المعلمون في تبني استراتيجيات دفاعية لاستعادة العقل البشري، منها:
اعتماد الاختبارات الشفوية كوسيلة أساسية للتقييم.
إلزام الطلاب باستخدام الدفاتر الورقية والملاحظات المكتوبة بخط اليد.
تفعيل دور مبادرة AgainstAI التي تنصح بطلب صور للملاحظات واليوميات الورقية لضمان الجهد الشخصي.
ويعتقد إريك هايوت، أستاذ الأدب المقارن في Penn State، أن هذه الشركات تسعى "لإدمان" جيل كامل على أدواتها، وهو ما يجعله يخصص جزءاً من كل محاضرة لشرح أسباب امتناعه عن استخدام هذه التقنيات.
تفاؤل حذر
رغم حالة "الاستسلام" التي قد يشعر بها البعض أمام جبروت التكنولوجيا، إلا أن هناك بصيص أمل يراه البعض في مقاومة جيل "Z" أنفسهم، الذين بدؤوا يشعرون بأنهم مجرد "فئران تجارب" في تجربة اجتماعية كبرى. ويؤكد كلون في نهاية المطاف: "علينا أن نغير فكرة أن المقاومة بلا جدوى.. بإمكاننا دائماً أن نقرر رغبتنا في أن نكون بشراً".