القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم تعد قاعات المحاكم بمنأى عن غزو التكنولوجيا المتقدمة، لكن هذا الغزو تجاوز حدود تسجيل الجلسات ليصل إلى صلب العملية القضائية: "الشهادة تحت القسم". ففي واقعة تعكس حجم التحدي الذي يواجه القضاة في العصر الرقمي، تحولت النظارات الذكية التي تنتجها شركات التكنولوجيا الكبرى إلى وسيلة "تلقين خفي" تضرب موثوقية الشهود في مقتل.
ذكر فيكتور تنجرمان في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "المحكمة العليا البريطانية شهدت سابقة قضائية، عندما كشفت القاضية راكيل أنجيلو عن محاولة تضليل متطورة بطلها "لايموناس جاكستيس"، الشريك في ملكية شركة ليتوانية كانت تسعى لرفع اسمها من قوائم الإعسار المالي".
أثناء خضوع "جاكستيس" للاستجواب المباشر ، لاحظت القاضية نمطاً غريباً في سلوكه؛ حيث كان يتوقف بشكل متكرر ومريب قبل الإجابة على أي سؤال، وكأنه ينتظر إشارة ما. لم تكن المسألة تتعلق بعائق لغوي، فالمحكمة كانت قد وفرت له مترجماً ليتوانياً محترفاً يقف بجانبه.
لحظة السقوط
وجهت القاضية أمراً مباشراً للمدعي بنزع نظارته الذكية فوراً، وبمجرد نزع النظارة وفصلها، انبعث صوت من الهاتف المحمول المرتبط بها، مما كشف أن مكالمة هاتفية كانت نشطة طوال الوقت.
أظهرت سجلات الهاتف أن "جاكستيس" أجرى عدة مكالمات لجهة اتصال مسجلة باسم أبرا كادابرا ، وادعى بذكاء مكشوف أن المتصل ليس سوى "سائق تاكسي"، وهو ما رفضته القاضية جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن هناك من كان يقوم بتلقينه الإجابات من وراء الستار.
الاستماع الخفي
ما أن نُزعت النظارات، حتى انهار ثبات المدعي؛ حيث بدأ يتردد كثيراً، ويطلب تكرار الأسئلة، ويدعي عدم الفهم، وهو ما وصفته القاضية في حيثيات حكمها قائلة: "كان من الواضح تماماً أنه ببساطة لا يعرف ما يجب أن يكون عليه رده دون مساعدة خارجية".
قررت المحكمة رفض أدلة "جاكستيس" بالكامل، ووُصف المتهم بأنه غير صادق وافتقر إلى الاحترام الواجب لإجراءات الإفصاح القانوني، و اعتبرت القاضية أن التأثير المباشر لعملية التلقين جعل من شهادته مادة غير موثوقة وغير صالحة للاعتداد بها قضائياً.
المواجهة مستمرة
هذه الحادثة ليست الوحيدة؛ فقبل شهر واحد في لوس أنجلوس، دخل مارك زوكربيرج الرئيس التنفيذي لشركة Meta إلى قاعة المحكمة مرتدياً نظارات شركته الذكية. القاضية كارولين كول لم تبدِ أي إعجاب بهذه التكنولوجيا، بل هددت صراحة باعتبار أي شخص يستخدمها داخل القاعة في حالة "ازدراء للمحكمة"، واصفة الأمر بأنه "خطير للغاية".
رادارات بشرية
مع الانتشار الواسع لنظارات Ray-Ban Meta التي تبدو كنظارات طبية أو شمسية عادية، يبرز تخوف حقيقي من قدرة الشهود على التواصل مع محاميهم خارج القاعة، أو الأسوأ من ذلك، تلقي إجابات فورية من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر مكبرات صوت "التوصيل العظمي" التي لا يسمعها سواهم.
تظل التكنولوجيا تسبق التشريعات بخطوات، ويبقى رهان العدالة اليوم معلقاً على "فراسة القاضي" وقدرته على تمييز التوقف البشري الطبيعي للتفكير عن التوقف التقني بانتظار "تلقين الآلة".