القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم يعد "اندثار الوظائف" مجرد سيناريو من أفلام الخيال العلمي، بل أضحى واقعاً يطرق أبواب المكاتب الفارهة قبل المصانع. في وقت يواجه فيه قطاع التقنية موجات تسريح غير مسبوقة، أصدرت شركة Anthropic تقريراً يقلب الموازين؛ فبينما كان الاعتقاد السائد أن الأتمتة ستهدد العمالة اليدوية.
ذكر فيكتور تنجرمان في تقرير نشرته مجلة Futurism إن " بيانات Anthropic كشفت أن "الياقات البيضاء" والمتخصصين ذوي الأجور المرتفعة هم اليوم في عين العاصفة. المفارقة الساخرة التي يطرحها المشهد الحالي هي أن مهنة "غاسل الأطباق" أو السبّاك باتت أكثر أماناً من مهنة "مبرمج الكمبيوتر".
رؤية Anthropic تستند إلى تقاطع خطير بين القدرة النظرية للنماذج اللغوية الكبيرة وبين بيانات الاستخدام الواقعي في الشركات. هذا التقاطع حدد فئات بعينها كأهداف مباشرة للإزاحة، فمبرمجو الكمبيوتر ومحللو النظم، الذين كانوا لسنوات "فرسان الاقتصاد الرقمي"، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على كتابة وتصحيح الأكواد في ثوانٍ.
أما موظفو خدمة العملاء، مدخلو البيانات، وأخصائيو السجلات الطبية فيواجهون استبدالاً هيكلياً، حيث توفر الأنظمة الذكية دقة أعلى وتكلفة تقترب من الصفر مقارنة بالجهد البشري.
يشير التقرير إلى نقطة جوهرية؛ وهي أن الفئات الأكثر عرضة للخطر هي الفئات الأكثر تعليماً والأعلى أجراً، وغالباً ما تكون من النساء، مما يهدد بتعميق الفجوات الاقتصادية القائمة أصلاً في سوق العمل.
لماذا ينجو السباك ويفشل المبرمج؟
على الطرف الآخر من الطيف، تبرز المهن التي تعتمد على "الحضور الفيزيائي" والمهارات الحركية المعقدة كحصن منيع ضد الأتمتة. الطهاة، الميكانيكيون، والكهربائيون وعمال السباكة يمتلكون ميزة تنافسية لا تستطيع النماذج اللغوية محاكاتها حالياً، وهي التفاعل مع العالم المادي المتغير.
ومع ذلك، يظل هناك انقسام حاد في الآراء؛ فبينما يرى قادة مثل جاك دورسي أن الذكاء الاصطناعي يسمح ببناء فرق "أصغر وأكثر كفاءة"، يعتقد آخرون أن موجات التسريح الحالية هي مجرد تصحيح لمرحلة "التوظيف المفرط" التي شهدتها فترة الجائحة، وليست نتيجة مباشرة لتفوق الآلة.
الخلاصة: نحن لسنا أمام نهاية العمل، بل أمام نهاية "العمل كما نعرفه". إن التحول نحو مهن مثل التمريض، القانون، والمحاسبة ـ كما تقترح أنثروبيك ـ يعكس حاجة السوق المستقبلية لمهارات تجمع بين الخبرة التقنية واللمسة الإنسانية المعقدة التي لا تزال بعيدة عن متناول الخوارزميات.