القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم يعد القلق من الذكاء الاصطناعي حبيس مختبرات التقنية، بل انتقل ليشعل شرارة الاحتجاجات في أروقة المستشفيات ومراكز الرعاية النفسية. في تطور دراماتيكي يشهده قطاع الصحة.
ذكر جو ويكنز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "آلاف المعالجين والممرضين في كاليفورنيا أعلنوا الإضراب عن العمل، ليس للمطالبة بزيادة الأجور فحسب، بل دفاعاً عن "إنسانية" مهنتهم التي بدأت الخوارزميات تنهش أطرافها؛ حيث يواجه المتخصصون المهرة عدواً غير مرئي يهدد باستبدال الجلسة العلاجية بـ "دردشة آمنة" وتطبيق ذكي".
الأتمتة الزاحفة
تجاوزت الأزمة في شركة Kaiser Permanente مجرد الخوف من فقدان الوظيفة، لتصل إلى جوهر الرعاية الصحية، فقد كشفت الاحتجاجات عن تحول خطير؛ فبعدما كان "فرز الحالات" Triage يعتمد على بصيرة وخبرة المعالج المرخص لتقييم خطورة الحالة، بات الأمر يُوكل لتطبيقات إلكترونية أو مشغلين غير متخصصين يتبعون سيناريو جامد. هذا التوجه لا يهدد الوظائف فحسب، بل يضع حياة المرضى على المحك، خاصة في الحالات التي تتطلب تمييزاً دقيقاً للميول الانتحارية أو الأزمات الحادة.
الجانب المظلم
يبرز التقرير جانباً مظلماً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الطب؛ وهو استخدامه كأداة "ضغط زمنية". فبدلاً من أن يكون الذكاء الاصطناعي مساعداً للمعالج، أصبح وسيلة تستخدمها الإدارات لتقليص الوقت المخصص لكل مريض. فمن خلال تسريع عملية التدوين الطبي آلياً، تُجبر الأطقم الطبية على استقبال عدد أكبر من المرضى في وردية واحدة، مما يحول المعالج إلى مجرد "ترس" في آلة إنتاج، ويجرد المريض من حقه في الاستماع والتحليل العميق.
المعضلة الأخلاقية
يطرح الإضراب تساؤلاً جوهرياً حول أولويات المؤسسات الصحية الكبرى. هل الهدف من دمج الذكاء الاصطناعي هو تحسين جودة الحياة للمريض وتخفيف العبء عن الطبيب؟ أم أن المحرك الحقيقي هو "خفض النفقات" وزيادة الأرباح النهائية عبر استبدال الكوادر البشرية المكلفة بأنظمة برمجية رخيصة؟.
الخلاصة: إن إضراب المعالجين في كاليفورنيا هو أول مواجهة كبرى في حرب "الذكاء ضد العاطفة". ورغم إنكار الشركات، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى أن "الزحف الرقمي" بدأ يغير ملامح الطب النفسي، مما يضع المجتمع أمام تحدٍ أخلاقي: هل نضحي بجودة الرعاية النفسية وقيمتها الإنسانية مقابل سرعة وخفض تكلفة توفرها الآلة؟