القاهرة: الأمير كمال فرج.
بينما يتسابق العالم نحو معالجات السيليكون الأكثر تعقيداً، قررت شركة Cortical Labs العودة إلى "المعالج" الأكثر كفاءة في الطبيعة: الدماغ البشري. نحن لا نتحدث هنا عن محاكاة رقمية، بل عن دمج حقيقي للخلايا العصبية الحية في قلب مراكز البيانات.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism "تقرير كشف عن جيل جديد من مراكز البيانات التي تعمل بالخلايا العصبية البشرية".
وصرح هونغ وينغ تشونغ، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة Cortical Labs، لموقع The Register قائلاً: إن "الفنيين يضطرون لتجديد "السائل النخاعي" لأجهزة الكمبيوتر الحيوية باستمرار، ويقومون بإزالة السائل وتجديده كل 24 ساعة".
وأوضح تشونغ أن "مئات الآلاف من خلايا الدماغ التي تشغل كل جهاز من طراز C1 التابع للشركة الأسترالية الناشئة، تستهلك الأكسجين والجلوكوز الموجود في السائل. لذا، في بداية كل يوم، يقوم الموظفون بتعبئة هذا "المزيج الحيوي" لضمان استمرار عمل الأنظمة".
تشبه بعض التفاصيل التشغيلية العمل في الصوبات الزراعية أكثر من مراكز البيانات التقليدية؛ ويصف تشونغ كيف يدير الفنيون بعناية مزيج الغازات المحيط بالأجهزة، حيث تتم إضافة النيتروجين وثاني أكسيد الكربون لتصل نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي المحيط إلى 5% فقط — وهو ربع المستوى الطبيعي على الأرض — وهي النسبة المثالية لعمل الخلايا العصبية المحوسبة.
برزت شركة Cortical Labs لأول مرة في عام 2022 بعد أن نجح الباحثون في تعليم خلايا عصبية داخل "طبق بتري" كيفية لعب اللعبة الكلاسيكية Pong. لكن جهاز CL1، الذي تزعم الشركة أنه "أول كمبيوتر بيولوجي في العالم قابل لنشر الأكواد"، يتفوق على ذلك بمراحل؛ فباستخدام أكثر من 200 ألف خلية عصبية حية، أثبتت الشركة مؤخراً قدرة الجهاز على لعب لعبة القتال الشهيرة Doom الصادرة عام 1993، وهو إنجاز يفوق المهام السابقة تعقيداً بمراحل، إذ يتطلب التنقل في بيئة ثلاثية الأبعاد والتحكم في ميكانيكا اللعبة ومواجهة الأعداء.
وعلى الرغم من أن هذه التقنية لا تزال في طور التجريب، إلا أن الشركة تروج لميزة رئيسية تتفوق بها على الحوسبة التقليدية: وهي الاستهلاك الضئيل جداً للطاقة.
وزعم تشونغ في تصريح لـ Bloomberg أن "كل وحدة CL1 تحتاج إلى طاقة أقل من تلك التي تستهلكها الآلة الحاسبة اليدوية"، متوقعاً أنها ستصبح يوماً ما أسرع من أجهزة الكمبيوتر التقليدية أيضاً.
ومع ذلك، لا يزال الجدل قائماً حول مدى كفاءة أو عملية هذه الآلات؛ فرغم أن تجربة لعبة Doom مثيرة للإعجاب، إلا أنها لا تزال مجرد عرض تقني. كما أن الإعداد يتطلب وقتاً طويلاً، حيث تستغرق الشركة نحو أسبوع لتجهيز آلاتها لكل مهمة، بما في ذلك اختيار خلايا محددة بناءً على احتياجات العميل وتصميم بيئة فيزيائية مخصصة لها.
رغم ذلك، تمضي الشركة قدماً في توسيع عملياتها، حيث تعاونت مع جهة أخرى لبناء مراكز بيانات جديدة في ملبورن وسنغافورة، ومن المتوقع أن يضم الأخير ما يصل إلى 1000 وحدة CL1. كما أطلقت الشركة خدمة للحوسبة السحابية تعمل عبر مجموعة من 120 وحدة CL1، يمكن للعملاء الدفع مقابل الوصول إليها وتشغيل أكوادهم البرمجية من خلالها.
تمثل هذه الخطوة قفزة نوعية، ولكنها تثير تساؤلات أخلاقية وتقنية عميقة هى :
1ـ كفاءة الطاقة المذهلة: في وقت تستهلك فيه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الكهرباء تهدد المناخ، تقدم الحوسبة البيولوجية حلاً ثورياً؛ فالدماغ البشري هو أكثر الأجهزة المعروفة كفاءة في معالجة البيانات المعقدة بأقل قدر من الطاقة.
2ـ التعقيد التشغيلي: استبدال "التبريد" بـ "السائل النخاعي" يغير مفهوم الصيانة؛ فالمراكز لم تعد مجرد قاعات باردة للأجهزة، بل أصبحت بيئات حيوية هجينة تتطلب رعاية تشبه رعاية المرضى في العناية المركزة.
3ـ مستقبل الحوسبة الحيوية: نجاح هذه الخلايا في لعب Doom يثبت أننا لسنا أمام مجرد تفاعلات كيميائية، بل أمام قدرة على التعلم وحل المشكلات داخل بيئات افتراضية معقدة، مما قد يمهد الطريق لذكاء اصطناعي "بيولوجي" يتفوق في المرونة على الخوارزميات الجامدة.