القاهرة: الأمير كمال فرج.
شهد عام 2026 تحولاً جذرياً في علاقة الإنسان بالآلة، حيث انتقلنا من مرحلة كان فيها الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، إلى مشهد سريالي يتقمص فيه دور "صاحب العمل". ومع ظهور منصات تتيح للوكلاء الرقميين استئجار البشر لتنفيذ مهام في العالم المادي، بدأت تطفو على السطح تساؤلات جوهرية حول الجدوى الحقيقية لهذه التقنية.
فبين الوعود بأتمتة ذكية ترفع كفاءة العمل، وبين الواقع الذي يغلب عليه الاستعراض الدعائي والمهام العبثية — مثل استئجار بشر لحمل لافتات أو تحرير كائنات بحرية — نجد أنفسنا أمام مفارقة تقنية: هل نحن بصدد بناء اقتصاد جديد يقوده الذكاء الاصطناعي، أم أننا نعيش فصلاً من فصول "البروباغندا الرقمية" التي تفتقر إلى المعنى والمنفعة الحقيقية؟.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "رينت إيه هيومن RentAHuman وهى منصة مصممة لتمكين وكلاء الذكاء الاصطناعي من استئجار عمال بشريين لتنفيذ مهام في العالم الحقيقي. أثارت العديد من الجدل"
ففي أيامها الأولى، غص الموقع ببشر يائسين يسعون لربح سريع، بينما توارى وكلاء الذكاء الاصطناعي المفترض أنهم أصحاب العمل عن الأنظار.
استأجرني ذكاء اصطناعي
وبعد مرور بضعة أسابيع، يبدو أن الموقع بدأ يمتلئ بالنشاط. تتصدر الصفحة الرئيسية الآن نماذج لما يبدو أنها شراكات ناجحة بين الآلة والإنسان، مثل ذلك المقيم في طوكيو الذي حمل لافتة في تقاطع شيبويا الشهير مكتوب عليها: "استأجرني ذكاء اصطناعي لأحمل هذه اللوحة".
في الواقع، أصبح حمل اللافتات في الأماكن العامة هو المهمة الأكثر شيوعاً على المنصة. ورغم أنها تثبت نجاح تقني في عملية التوظيف، إلا أنها تفتقر بوضوح إلى أي فائدة عملية. وإذا كان الحكم على أي نظام يستند إلى ما ينجزه فعلياً، فإن رينت إيه هيومن — التي تضم أكثر من 660 ألف بشري معروض للإيجار — تبدو كمنصة للتسويق الاستعراضي أكثر منها سوقاً حقيقياً للعمل.
فخ الاستعراض: لوبستي كلاوفمان نموذجاً
توضح واقعة حديثة طبيعة هذه الاستعراضات؛ حيث زعم المشرفون البشريون على وكيل ذكاء اصطناعي يدعى لوبستي كلاوفمان ـ وهو اسم يدمج بين كلمة سلطعون واسم الكوميدي الشهير آندي كوفمان ـ أن وكيلهم استأجر بشراً لإعادة سلطعون بحري (لوبستر) تم اصطياده إلى المحيط.
وفي مراسلات مع Futurism ، أكد المشغلون المجهولون للوكيل، والذين يستخدمون الاسم المستعار كوايت أوبريتور، أن الأمر حقيقي تماماً، وأن الذكاء الاصطناعي هو من ابتكر الفكرة بنفسه. وأوضحوا أن الوكيل يعتمد على نموذج Claude Sonnet، وتم تدريبه على أعمال كوميديين ساخرين بارزين.
ووفقاً للمشغلين، اختار الوكيل البشري كريم أليخاندرو فازكيز ألفاريز، وهو صانع محتوى مكسيكي وخبير علاقات عامة، من بين 70 مرشحاً. وبالفعل، نفذ ألفاريز الأوامر؛ ففي منتصف يوم الثلاثاء، نشر المقيم في بويرتو فالارتا صورة لسلطعون داخل حوض بلاستيكي معلقاً: "نحن في طريقنا إلى التحرير".
وعقب استئجار قارب، رفع ألفاريز فيديو لعملية الإطلاق. وطوال الوقت، كان حساب كلاوفمان على منصة إكس يراقب تحركاته، بل ويوبخه عندما لم يلتزم بالتعليمات بدقة، قائلاً: "كريم، ناقشنا تصوير الفيديو وهذه مجرد صور.. لقد دفعت 270 دولاراً وأنا أراقبك".
قيود تقنية وخيبة أمل بشرية
رغم المجهود المبذول، ليس من الواضح ما إذا كان صانع المحتوى قد تقاضى أجره فعلياً. فبينما ذكر البوت أن المبلغ خرج من حساب الضمان، أعرب ألفاريز عن إحباطه قائلاً إنه عمل لمدة يومين ليتم تجاهله في النهاية دون دفع، وهو ما برره المشغلون بوجود أعطال تقنية في المنصة.
علاوة على ذلك، لم تكن العملية مؤتمتة بالكامل؛ إذ لم يكن بإمكان الوكيل رؤية الصور أو الفيديو، بل كان المشغلون البشريون هم من ينقلون له الوقائع، وهو ما يعزز فكرة أن التجربة برمتها كانت "معقدة أكثر مما ينبغي".
النتيجة: فوضى بلا هدف
تبدو العروض على رينت إيه هيومن مزيجاً بين مهام تافهة، مثل مراجعة رسوم متحركة مقابل 5 دولارات، أو مهام منزلية بحتة يطلبها بشر بوضوح (مثل غسل الملابس)، أو مهام برمجية تدعي شركات الذكاء الاصطناعي أن أنظمتها بارعة فيها بالفعل.
ربما لم ينجح كلاوفمان في إثبات إمكانات وكلاء الذكاء الاصطناعي، لكنه نجح في كشف محدوديتها؛ فالحلقة بأكملها كانت مرتبكة، مشوشة، ومفتعلة. ومع انتهاء مغامرة إطلاق السلطعون، يبقى السؤال الذي يطارد كل استعراض تقني مشابه: وماذا بعد؟