القاهرة: الأمير كمال فرج.
شهد عام 2026 تحولات جذرية في نظرة المؤسسات التقنية والمعرفية الكبرى نحو أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث انتقل المشهد من الانبهار الأولي بقدرات الآلة إلى مواجهة حقائق تقنية وتشغيلية معقدة. فبينما كانت الوعود تبشر بكفاءة غير مسبوقة في مجالات البرمجة وصناعة المحتوى، بدأت تظهر فجوات عميقة تتعلق بجودة المخرجات وموثوقية البيانات، مما دفع كيانات عالمية مثل ويكيبيديا إلى اتخاذ قرارات حازمة لحماية محتواها من "النفايات الرقمية".
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "جيمي ويلز، مؤسس ويكيبيديا، وصف ابتكاره ذات يوم بأنه "معبد للعقل". واليوم، وبعد مرور عقد من الزمان، اتخذ الموقع موقفا حاسما ضد ما يُعرف بـ "نفايات الذكاء الاصطناعي"
ففي نهاية هذا الشهر، اتخذت النسخة الإنجليزية من الموسوعة الإلكترونية الشهيرة قراراً رسمياً بحظر استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد المقالات أو إعادة كتابتها. جاء هذا القرار الصارم بعد سنوات من التجارب المتفرقة والنقاشات الداخلية الحادة والمستمرة بين محرريها المتطوعين، وفقاً لما نقله موقع 404 ميديا.
لقد وصل هذا الجدل المحتدم أخيراً إلى مرحلة التصويت الحاسم في 20 مارس، والذي انتهى بأغلبية ساحقة ومذهلة بلغت 40 صوتاً مؤيداً مقابل صوتين فقط معارضين، وذلك لفرض قيود صارمة وشاملة على كيفية استخدام النماذج اللغوية الكبيرة LLMs في صيانة وتطوير محتوى الموقع.
وتنص السياسة الجديدة المعتمدة صراحة على أن "النصوص التي تولدها النماذج اللغوية الكبيرة غالباً ما تنتهك العديد من سياسات المحتوى الجوهرية والأساسية لويكيبيديا. ولهذا السبب، يُحظر تماماً استخدام هذه النماذج لتوليد محتوى المقالات من الصفر أو إعادة صياغتها، باستثناء بعض الحالات الضيقة والمحددة المذكورة أدناه".
وكما توضح تفاصيل الاستثناءات، فإن هذا الحظر ليس منعاً كلياً ومطلقاً لكل تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ إذ يُسمح للمحررين باستخدام النماذج اللغوية لاقتراح تعديلات لغوية وتدقيق نحوي أساسي على كتاباتهم البشرية الخاصة، مع إمكانية دمج بعض هذه الاقتراحات بعد خضوعها لمراجعة بشرية دقيقة، وبشرط أساسي وهو ألا يقوم الذكاء الاصطناعي بإقحام أو إضافة أي محتوى معلوماتي من عنده.
وتحذر السياسة الجديدة بلهجة شديدة من أن هذه النماذج قد تتجاوز المهام المطلوبة منها وتغير المعنى الجوهري للنصوص، بحيث تصبح المعلومات غير مدعومة بالمصادر والمراجع المذكورة، وهو ما يضرب مصداقية الموسوعة في مقتل.
كما تضمنت السياسة السماح لهذه النماذج بالمساعدة في عمليات ترجمة المقالات بين اللغات المختلفة، ولكن بشرط اتباع قواعد الموقع الصارمة القائمة بالفعل بشأن الترجمة الآلية، والتي تصر على ألا يقوم المحرر باستخدام هذه الأدوات إلا إذا كان يمتلك مهارات لغوية عالية ومتمكناً من كلتا اللغتين (المصدر والهدف) بما يكفي لتأكيد دقة الترجمة وصحتها المعلوماتية.
وتُعد هذه الخطوة أحدث وأقوى إشارة على أن ويكيبيديا بدأت ترسم خطوطاً حمراء واضحة في الرمال ضد زحف نماذج الذكاء الاصطناعي وتغولها. ففي يناير الماضي، وقعت الموسوعة اتفاقيات تجارية مع شركات تكنولوجية كبرى مثل أمازون، ومايكروسوفت، وميتا، وبيربليكسيتي، في تحرك يهدف إلى استرداد التكاليف الضخمة التي تكبدتها الموسوعة جراء قيام تلك الشركات بتدريب نماذجها اللغوية على محتواها المعرفي الهائل مجاناً، مما شكل ضغطاً تقنياً ومالياً مكلفاً على خوادمها.
وطوال تلك الفترة الماضية، خاض المحررون المتطوعون معارك طاحنة وطويلة الأمد حول كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي. وقبل أكثر من عام، تكاتفت مجموعة من المحررين معاً لاستئصال محتوى الذكاء الاصطناعي الرديء والمضلل من المنصة. وعندما حاولت مؤسسة ويكيميديا (المنظمة غير الربحية المالكة للموقع) نشر ملخصات مولدة آلياً في مقدمة بعض المقالات، ثار مجتمع المحررين ورفضوا هذا التوجه بشدة حتى توقفت التجربة تماماً.
وصرح إلياس ليبلو، وهو محرر في ويكيبيديا وصاحب مقترح التوجيه الأخير، بأن المزاج العام في أروقة الموسوعة قد تحول مؤخراً من "التفاؤل الحذر" إلى "القلق الحقيقي والعميق". وأضاف ليبلو أن الأشهر الأخيرة شهدت تزايداً هائلاً في التقارير الإدارية المتعلقة بمشكلات وأخطاء ناتجة عن النماذج اللغوية، مما جعل المحررين يشعرون بالإرهاق وعدم القدرة على ملاحقة هذا الكم من الأخطاء الآلية.
وربما يكون السبب وراء تراجع المتفائلين هو رؤيتهم للنموذج الذي قد يؤول إليه حال الموسوعة مستقبلاً، والمتمثل في "غروكيبيديا Grokipedia"؛ وهي البديل الذي يروج له إيلون ماسك، وتتم كتابته وتحريره بالكامل بواسطة روبوت الدردشة الخاص به "غروك".
وقد شملت إسهامات هذا الروبوت في "حفظ التاريخ" تمجيداً مبالغاً فيه لشاحنة "سايبر تراك" والاستشهاد بمواقع تابعة للنازيين الجدد دون أدنى نقد أو تمحيص، مما يعكس الفوضى المعلوماتية التي تحاول ويكيبيديا تجنبها بكل قوتها.