القاهرة: الأمير كمال فرج.
في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بقفزات الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز الإنتاجية، يبرز وجه آخر أكثر قتامة في أروقة المؤسسات المالية الكبرى. يتجاوز النظرة السطحية لفقدان الوظائف، إلى ما هو أخطر وهو : "التندب".
ذكر جو ويكنز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "دراسة حديثة أجراها اقتصاديون في مصرف غولدمان ساكس كشفت أن استبدال الوظائف بالتقنيات الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، يسبب أضراراً جسيمة تتجاوز التبعات المالية المباشرة، لتخلق سلسلة من الصعوبات المستدامة التي قد تستمر طوال حياة العامل" هى:
1ـ صعوبة العودة لسوق العمل
وجد المحللون، عبر دراسة الهزات التقنية السابقة (مثل طفرة الحاسوب في الثمانينيات)، أن العمال الذين نزحت وظائفهم بسبب التكنولوجيا يواجهون صعوبة أكبر في العثور على وظائف جديدة وتعويض الدخل المفقود مقارنة بمن سُرّحوا لأسباب أخرى.
2ـ ظاهرة "التندب" (Scarring)
استخدم الباحثان بييرفرانشيسكو مي وجيسيكا ريندلز هذا المصطلح لوصف الآثار التي تمتد لسنوات، حيث تبيّن أن النزوح التقني أدى في حالات سابقة إلى: تأخر امتلاك المنازل، وانخفاض إجمالي الدخل مدى الحياة، وتراجع فرص الزواج.
3ـ نمو بطيء للأجور
في العقد الذي يلي التسريح المدفوع بالتكنولوجيا، ينمو دخل العمال المتضررين بمعدل أبطأ بنسبة 10% تقريبًا مقارنة بأقرانهم، مما يشير إلى تأثير دائم على القيمة السوقية لمهاراتهم.
التحذير من الركود
أشار تقرير غولدمان ساكس، الذي نشرته صحيفة Wall Street Journal، إلى أن تكاليف النزوح الوظيفي بسبب الذكاء الاصطناعي ستكون أكثر فداحة إذا تزامنت خسارة الوظائف مع فترات الركود الاقتصادي.
وأكد التقرير إن "هذه الأنماط تشير بمجملها إلى أن النزوح الناتج عن الذكاء الاصطناعي قد يفرض تكاليف دائمة على العمال المتضررين."
هل المعاناة حتمية؟
رغم قتامة التقرير، إلا أنه يشير إلى أن مصطلح "التندب" قد يوحي بأن العملية طبيعية، بينما هي في الواقع نتيجة لسياسات اجتماعية. ويرى الخبراء أن التكنولوجيا لا تؤدي بالضرورة إلى الفقر أو البطالة الجماعية، بل يعتمد الأمر على قرارات السياسة العامة مثل: برامج إعادة التأهيل والتوظيف، وفرض ضرائب على الأتمتة، وتعويضات نهاية الخدمة الإلزامية.
إن التهديد الذي يمثله الذكاء الاصطناعي يأتي في وقت تفتقر فيه الأسواق إلى هذه الأنظمة الحمائية، لكن التقرير يختم بالتذكير بأن "السياسات ليست منقوشة على الحجر"، ويمكن تغييرها لتجنب هذه المعاناة الإنسانية.