القاهرة: الأمير كمال فرج.
يبدو أن زمن "القهوة السوداء" البسيطة قد ولى إلى غير رجعة، ليحل محله عصر "الخوارزميات الذوقية". ففي خطوة تثير من التساؤلات أكثر مما تقدم من حلول، أطلقت "ستاربكس" بالتعاون مع "ChatGPT" ميزة فريدة تتيح للزبائن اختيار مشروبهم ليس بناءً على مذاق القهوة، بل استناداً إلى حالتهم المزاجية، أو حتى "لون الملابس" التي يرتدونها في تلك اللحظة!
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "ستاربكس" كشفت يوم الأربعاء عن دمج خدمتها كأداة برمجية داخل "ChatGPT"؛ حيث يمكن للمستخدمين كتابة "@Starbucks" للحصول على توصيات لمشروبات مخصصة بناءً على "الذوق، والمزاج، والأهداف الشخصية".
وبحسب البيان الصحفي للشركة، يمكن للزبائن إرسال طلبات مثل: "أريد شيئاً مشرقاً لبدء صباحي"، أو حتى طلبات تبدو سريالية مثل: "اقترح لي مشروباً يناسب ألوان ملابسي اليوم".
وتؤكد الشركة بحماس: "لا داعي لحفظ أسماء المشروبات، فقط صف شعورك أو ما تشتهيه بكلماتك الخاصة أو عبر صورة.. إنه اكتشاف بلا مجهود".
نتائج مخيبة للتوقعات
من الناحية العملية، لم تكن التجربة مبهرة؛ فخلال اختبار النسخة التجريبية، طُلب من الروبوت اقتراح مشروب لمناسبة صاخبة، ثم مشروب يلائم "هيبة" صورة لدرع "بافوميت" الشهير الذي ارتداه إيلون ماسك. وفي الحالتين، كان الرد متكرراً ومفتقراً للإبداع، حيث اقترح الروبوت مشروب "المانجو المثلج"، مع عبارة ترويجية تزعم أن هذا المشروب "يمنحك حضوراً طاغياً".
أزمة هوية أم تعقيد مفتعل؟
يثير هذا التعاون تساؤلاً جوهرياً: ما هي المشكلة التي يحاول هذا النظام حلها أصلاً؟ فإذا كان الزبائن يعجزون عن تذكر مسميات المشروبات الطويلة، فربما المشكلة في قائمة الطعام نفسها وليست في ذاكرة البشر. إن افتراض حاجة المستهلك لخوارزمية تملي عليه ما يشرب يحوله إلى مجرد متلقٍ سلبي، فضلاً عما يسببه ذلك من ضغط إضافي على "الباريستا" المطالبين بتنفيذ طلبات معقدة وغير مألوفة.
القهوة.. أبعد من مجرد "كود"
في نهاية المطاف، نحن نتحدث عن القهوة؛ ففي معظم الثقافات، يعد طلب أي شيء غير "الإسبريسو" بعد الظهر نوعاً من الهرطقة، ناهيك عن غمر الحليب والكافيين بشراب السكر المركز. فإذا كنت لا تعرف ما تريد شربه في مقهى، فالمشكلة أعمق من أن تحلها "أكواد" الحالة المزاجية.
وكما لخص الصحفي والمؤلف تايلر كينج المشهد قائلاً: "إذا كنت مشلولاً بالتردد لدرجة أنك تحتاج لروبوت دردشة ليخبرك بنوع القهوة التي تطلبها، فمن المحتمل أنك بحاجة إلى مراجعة مصحة لإعادة التأهيل".
هذا التحول الرقمي الجديد يطرح إشكالية جوهرية: هل تحول اختيار كوب القهوة الصباحي إلى معضلة وجودية تستوجب تدخل الروبوتات؟ وبينما يراها البعض قمة "التخصيص" والرفاهية الرقمية، يراها آخرون نوعاً من الوصاية التكنولوجية التي تختزل الإنسان في مجموعة من البيانات،