القاهرة: الأمير كمال فرج.
كشفت المكتشفات الأثرية الحديثة إلى أن رضع إنسان النياندرتال كانوا يفوقون أطفال البشر المعاصرين حجماً، كما كانوا يتمتعون بمعدلات نمو مذهلة تسبق سنهم بكثير.
ذكرت شارون أدارلو في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "هذا ما أكده فريق علمي دولي بعد تحليل دقيق لبقايا رضيع من فصيلة النياندرتال عُثر عليه في أحد الكهوف، حيث كشفت النتائج أن الطفل الذي لم يتجاوز ستة أشهر من العمر كان يمتلك بنية جسدية تضاهي طفلاً بشرياً (هومو سابين) أتم عامه الأول".
ويبدو أن "بام-بام"، الطفل القوي في مسلسل الرسوم المتحركة الشهير "عائلة فلينستون"، لم يكن مجرد خيال درامي، بل كان تجسيداً واقعياً لأطفال أقاربنا المنقرضين.
لغز الأسنان والعظام الضخمة
بدأ الجدل العلمي حين فحص الباحثون الهيكل العظمي للطفل الذي عاش قبل نحو 51,000 إلى 56,000 عام في شمال إسرائيل. وللوهلة الأولى، توحي سماكة العظام وحجم الجمجمة الضخم بأن الطفل أكبر سناً، إلا أن "ساعة الأسنان" البيولوجية حسمت الأمر.
وفي هذا الصدد، صرحت إيلا بين، أستاذة التشريح والأنثروبولوجيا بجامعة تل أبيب والباحثة الرئيسية في الدراسة، لصحيفة إل باييس: أؤمن أن العمر النسيجي للأسنان يقدم التقدير الأكثر دقة لهذه الفئة العمرية الصغيرة، متجاوزاً المقاييس التقليدية المعتمدة على حجم العظام الطويلة أو سعة تجويف الجمجمة.
استراتيجية البقاء: نمو متسارع وطاقة هائلة
لا يعد هذا الاكتشاف حالة فردية، بل هو جزء من نمط بيولوجي أوسع يميز إنسان النياندرتال. فبالمقارنة مع رضع آخرين من الفصيلة ذاتها، تبرز حقيقة واضحة: كان النياندرتال ينمو جسدياً وعقلياً بوتيرة أسرع، مما يعني استهلاكاً هائلاً للطاقة منذ اللحظات الأولى للولادة.
وتضيف البروفيسورة "بين": إن فهم هذا النمط يمثل حجر الزاوية في إدراك ماهية النياندرتال وكيفية تكيفهم مع بيئاتهم القاسية. وبالرجوع إلى دراسات أجريت عام 2022، نجد أن أطفال النياندرتال كانوا يمتلكون عظاماً أكثر متانة وصلابة مقارنة بالبشر المعاصرين، وهو ما يفسر البنية الجسدية الممتلئة والقوية التي ميزت البالغين منهم.
الانتخاب الطبيعي في عالم متجمد
عاش إنسان النياندرتال في أرجاء أوروبا وآسيا خلال حقبة امتدت لـ 400,000 عام، وهي فترة اتسمت بظروف مناخية وبيئية بالغة القسوة. ومن منظور التطور، يبدو أن عملية الانتخاب الطبيعي قد انحازت للأطفال الأقوياء ذوي البنية المتينة القادرين على بلوغ مرحلة النضج بسرعة، لضمان البقاء في مواجهة التحديات الوجودية.
إرث قديم في حمضنا النووي
رغم الفوارق الجسدية الشاسعة، لم تكن الحواجز البيولوجية كافية لمنع الاختلاط بين أسلافنا والنياندرتال. إذ تؤكد الأدلة الجينية وقوع لقاءات حميمية بين ذكور النياندرتال وإناث البشر الأوائل، مما أسفر عن نسل مشترك. واليوم، لا تزال آثار تلك العلاقات القديمة محفورة في شيفرتنا الوراثية، شاهدةً على زمن تعايش فيه نوعان مختلفان من البشر وتقاسما قصة البقاء على كوكب الأرض.