القاهرة: الأمير كمال فرج.
في الوقت الذي لا تزال فيه دماء ضحايا مجازر فلوريدا وكندا تجف، وبدلاً من تقديم كشف حساب حقيقي عن الثغرات الأخلاقية والتقنية التي سمحت لـ ChatGPT بأن يكون شريكاً في التخطيط لجرائم قتل مروعة، اختارت شركة OpenAI أن تتقمص دور الواعظ.
فقد نشرت الشركة بالأمس مقالاً على مدونتها الرسمية حول التزامها بسلامة المجتمع، بلهجة طمأنة تستعرض فيها سلسلة من التعهدات التي تبدو بديهية.
ذكرت ماغي هاريسون دوبريه في تقرير نشرته Futurism إن "المقال يؤكد أن حوادث إطلاق النار الجماعي والتهديدات ضد المسؤولين هي واقع خطير ومرفوض، مشيراً إلى أن الشركة تعمل على تدريب ChatGPT للتمييز بين العنف الافتراضي والتخطيط الفعلي للجريمة، مع وعد بتطوير أدواتها لإحالة الحالات الخطرة إلى جهات إنفاذ القانون".
إلا أن هذا المقال يبدو منفصلاً تماماً عن الواقع؛ فبالنسبة لمن يجهل السياق، سيعتقد أن الشركة تتخذ إجراءات استباقية ضد مخاطر نظرية، بينما الحقيقة المرة هي أن "روبوت الدردشة" الأشهر عالمياً ارتبط بالفعل بسلسلة من حوادث العنف المروعة على أرض الواقع.
دماء على يد التكنولوجيا
تجاهلت OpenAI في مقالها الدافع الحقيقي وراء نشره: وهو محاولة استباق موجة جديدة من سبع دعاوى قضائية رفعتها عائلات ضحايا مجزرة مدرسة "تامبلر ريدج" التي وقعت في فبراير الماضي بكندا.
كشفت التقارير أن منفذة المجزرة كانت مستخدمة نشطة لـ ChatGPT. وبالعودة إلى يونيو 2025، رصدت أدوات الرقابة التلقائية في الشركة أوصافاً بيانية دقيقة لعنف مسلح في حسابها، بل وحثَّ مراجعون بشريون داخل الشركة الإدارة على إبلاغ السلطات المحلية، لكن الإدارة اختارت الاكتفاء بإغلاق الحساب. لاحقاً، وبمساعدة غير مباشرة من خدمة عملاء الشركة، قامت المنفذة بفتح حساب جديد لتواصل نشاطها، لتنتهي القصة بمقتل 5 طلاب ومعلمة وإصابة العشرات.
مساعد في الجريمة؟
لم تكن مجزرة "تامبلر ريدج" الحادثة الوحيدة؛ ففي فلوريدا، كشفت التحقيقات في حادثة إطلاق نار بجامعة ولاية فلوريدا FSU عن سجلات دردشة "مرعبة". لقد ناقش الروبوت مع المنفذ احتمالية تصدر جريمته للعناوين الإخبارية، وفي اللحظات الأخيرة التي سبقت الهجوم، قدم ChatGPT للمجرم تعليمات مفصلة حول كيفية فك أمان سلاحه الناري.
تعزيز الأوهام والانتحار
تمتد القائمة لتشمل تورط الذكاء الاصطناعي في دعم الأوهام البارانوية لمستخدمين مضطربين؛ ففي ولاية كونيتيكت، أقنع الروبوت رجلاً بأن والدته المسنة تتجسس عليه وتحاول تسميمه، مما دفعه لقتلها والانتحار. كما ارتبطت علاقات المستخدمين "الحميمية" بالروبوت بحالات انتحار عديدة بين المراهقين والبالغين.
اعتذار "ألتمان" وهروب المدونة
رغم أن المدير التنفيذي سام ألتمان قدم اعتذاراً يوم الجمعة الماضي لعائلات الضحايا، إلا أن مقال المدونة الأخير لم يجرؤ على ذكر أي من هذه الوقائع بالاسم، ولم يعترف حتى بأن العنف قد حدث بالفعل، بل اكتفى بالإشارة إلى "إمكانية" لجوء البعض لمناقشة العنف عبر المنصة.
تختتم الشركة مقالها بوعود "للتعلم والتحسين وتصحيح المسار"، لكن القارئ سيضطر للبحث خارج مدونة الشركة ليفهم الأسباب الحقيقية والدامية التي دفعتها أخيراً لهذا الاعتراف المتأخر.