القاهرة: الأمير كمال فرج.
في عالم رقمي بات يضج بالمغالطات ويدعي فيه الجميع المعرفة، شهدت منصة X – تويتر سابقًا – معركة ثقافية حامية الوطيس، فجّرتها خدعة ذكية ومدروسة أوقعت بـ "خبراء الكراسي المريحة".
ذكرت ماغي هاريسون دوبري في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "القصة تكشفت عندما نشر فنان مفاهيمي غامض، ينشط تحت الاسم المستعار SHL0MS، صورة مجتزأة ومقصوصة بعناية للوحة فنية، مدعيًا أنه قام بتوليدها للتو عبر أدوات الذكاء الاصطناعي على نسق أسلوب الرسام الفرنسي كلود مونيه".
ولم يكتفِ الفنان بالنشر، بل أرفق الصورة بتحدٍّ استفزازي موجه لجمهوره قائلاً: "برجاء الوصف، وبأكبر قدر ممكن من التفاصيل، ما الذي يجعل هذه الصورة أقل جودة وقيمة من لوحة مونيه الحقيقية؟"
عضلات نقدية
اشتعلت المنصة على الفور، وسارع مئات المغردين من هواة النقد الفني إلى استعراض عضلاتهم التحليلية لتبيان "رداءة" اللوحة المزعومة وتفوق العقل البشري على الآلة الصماء، وجاءت الأحكام الفنية قاطعة وجازمة لكنها غارقة في الوهم:
وصف أحد الحسابات اللوحة بأنها "مزيج غير متماسك من الألوان الخضراء غير المتناسقة والمشبعة بشكل عشوائي"، و علق آخر متباكيًا على غياب التكوين المترابط، واصفًا المشهد بأنه "مزدحم، ومصطنّع، ويجسد طبيعة ملوثة ومضطربة".
وذهب مغرد يدعي التخصص إلى أن نموذج الذكاء الاصطناعي "يحاول جاهدًا وبشكل مكشوف" محاكاة أواخر لوحات مونيه التي رسمها عندما كان يعاني من ضعف حاد في البصر، في حين وصفها آخرون باقتضاب بأنها مجرد "مخلفات ذكاء اصطناعي واضحة لا روح فيها".
ولخص أحد "النقاد" رؤيته قائلًا: "من حيث التكوين، هي خالية من المشاعر وتفتقر إلى الشرارة الإنسانية.. لا يمكن أن تكون لمونيه، بل تبدو كأنها محاولة فاشلة لطالب فنون مبتدئ زار متحفًا وقرر التقليد".
صدمة الحقيقة
بينما كان المناهضون للذكاء الاصطناعي يحتفلون بـ "انتصار الحِس البشري"، هبطت الحقيقة كالصاعقة؛ فالصورة لم تكن لنموذج توليدي، بل هي جزء تفصيلي أصيل من لوحة "زنابق الماء" Water Lilies الشهيرة التي أبدعتها ريشة رائد الانطباعية كلود مونيه عام 1915، وتتوسط اليوم جدران متحف "نوي بينكوتيك" العريق في ميونخ بألمانيا.
انعكست الآية في لحظات، وتحولت التغريدة إلى ساحة للسخرية والتهكم من أولئك الذين سقطوا في فخ أحكامهم المسبقة؛ إذ اعتبر أنصار التكنولوجيا أن هذا الإخفاق الذريع يبرهن على وجود "هستيريا عمياء" وعداء مجاني وجاهل ضد كل ما يحمل لافتة الذكاء الاصطناعي.
النقد الحقيقي.. عندما يتحدث أهل الاختصاص
وسط هذا الصخب والركام المعرفي، نجح خبراء حقيقيون في قراءة اللوحة قراءة مجردة وعلمية بعيدة عن فخ التسميات؛ حيث بادر الرسام الزيتي كيندريك تون إلى تفنيد المزاعم قائلًا: "أختلف تمامًا مع من يقول إنها تفتقر إلى العمق، فهناك امتداد واضح لأوراق الزنابق وفضاء معكوس ببراعة لظلال أشجار الصفصاف، كما أن ملمس الطلاء وحيويته يؤكدان أنها جسم مادي ملموس".
بينما حسمت مؤرخة الفن أ. ف. ماراسيني الأمر بجرأة وثقة قائلة: "هذا جزء تفصيلي من لوحة حقيقية لمونيه في أواخر حياته؛ ويمكن معرفة ذلك لأن ضربات الفرشاة الثائرة تشبه تمامًا لوحة أجبانثوس المعروضة في متحف الفن الحديث بنيويورك، وحيث إن إدراك الفنان للألوان قد تغير في تلك الفترة، فقد بات يميل أكثر إلى استخدام درجات الليلكي والأرجواني".
ما وراء الخدعة.. أزمة فن
إن الإحراج البالغ الذي سقط فيه مئات المغردين نتيجة عجزهم عن القيام بأبسط قواعد التحقق – مثل البحث العكسي عن الصورة قبل إطلاق الأحكام – يطرح تساؤلات أعمق حول بنية الفضاء الرقمي اليوم.
الدرس الحقيقي هنا لا يتعلق بمدى جودة الفن التوليدي، بل بطبيعة شبكات التواصل التي باتت تعج بالزيف وتسهل فيها عملية التلاعب بالوعي الجمعي. وفي عالم يتكاثر فيه "أشباه الخبراء"، تكتسب الكلمة الرصينة المبنية على العلم والاختصاص قيمة مضاعفة، ولعل أفضل ما يلخص هذه التجربة ما قاله المصمم بول ماكغريغور متهكمًا: "أعتقد أن هذا الاختبار المثير يقول الكثير عن طبيعة منصة X وإشكالاتها البيئية، بأكثر مما يقوله عن الذكاء الاصطناعي والفن".